كتب : د. غالية بنت عيسى الزبيدي
الإعلام والتنمية المستدامة
ندوة علمية تجمع العقول العربية وتصنع أفقًا جديدًا للحوار.
في مشهد علمي وثقافي عكس حيوية الحراك البحثي العربي، وثراء الحوار حول قضايا الإعلام المعاصر ومسؤولياته التنموية، اختتمت المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي أعمال ندوتها العلمية الأولى،
التي شهدت نجاحًا لافتًا ومشاركة عربية واسعة، بحضور نحو ستين مشاركًا من اثنتي عشرة دولة عربية،
ضمت نخبة من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين والمثقفين والمهتمين بالشأن الإعلامي والتنموي.
وقد تشرفت الدكتورة غالية بنت عيسى الزبيدي بإدارة أعمال الندوة، التي جاءت محطة علمية مهمة لفتح نوافذ النقاش حول التحولات
التي يشهدها الإعلام العربي، واستكشاف آفاق توظيف أدواته الحديثة في خدمة قضايا المجتمع، وتعزيز الوعي بالتنمية المستدامة، وترسيخ قيم المشاركة والعدالة والتمكين.
ولعل أبرز ما ميّز هذه الندوة تنوع القضايا التي تناولتها، وارتباطها المباشر بالتحولات الاجتماعية والإعلامية التي تشهدها المجتمعات العربية
؛ إذ لم يقتصر الحوار على الأطر التقليدية للعمل الإعلامي، وإنما امتد إلى قضايا أكثر اتصالًا بالإنسان وحقوقه وفرص حضوره في المشهد العام،
وفي مقدمتها إعلام تمكين المرأة والشباب، وإعلام الفئات المهمشة وذوي الإعاقة، ودور الإعلام في إتاحة المجال أمام الأصوات التي تحتاج إلى مساحات أوسع للتعبير والمشاركة والتأثير.
كما ناقشت الندوة توظيف منصات الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر الوعي بالتنمية المستدامة، وما تتيحه هذه المنصات من إمكانات واسعة لتطوير الخطاب الإعلامي،
والوصول إلى شرائح مجتمعية متعددة، وتحويل الرسائل الإعلامية إلى أدوات فاعلة في بناء الوعي وتحفيز المشاركة المجتمعية.
وشهدت الندوة تقديم ورقتين علميتين ثريتين، اتسمتا بتنوع الطرح وعمق المعالجة وارتباطهما بقضايا الإعلام والتنمية.
فقد قدم الأستاذ القدير سالم الجحوشي، مدرب المهارات الصوتية وخبير الأداء الصوتي والدوبلاج بمعهد الجزيرة للإعلام،
ورقة علمية بعنوان: “توظيف منصات الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر الوعي بالتنمية المستدامة” ، تناول فيها أهمية المنصات الرقمية في تطوير أدوات الاتصال الإعلامي،
وتعزيز فاعلية الرسائل التنموية، وتوسيع نطاق وصولها إلى الجمهور، بما يسهم في بناء وعي مجتمعي أكثر إدراكًا لمتطلبات التنمية المستدامة.
وإذ نثمن مشاركته العلمية، فإننا نتوجه إليه بخالص الشكر والتقدير على ما قدمه من طرح معرفي وخبرة مهنية أثرت محاور الندوة،
وأسهمت في إثراء النقاش حول التحولات المتسارعة في البيئة الإعلامية الرقمية.
كما نتقدم بالشكر والتقدير إلى الأستاذة الدكتورة أنصاف المومني، أستاذة الدراسات العليا والكاتبة والمعدة والمقدمة للبرامج الإعلامية،
على مشاركتها العلمية المتميزة بورقة حملت عنوان: “الإعلام التنموي في تمكين المرأة والشباب والفئات المهمشة في العالم العربي” ،
التي سلطت الضوء على الدور الحيوي للإعلام في تعزيز حضور المرأة والشباب والفئات التي تواجه تحديات في الوصول إلى فرص المشاركة والتأثير، وأهمية بناء خطاب إعلامي أكثر وعيًا بقضايا الإنسان واحتياجات المجتمعات العربية.
وقد أضفت الورقتان على الندوة قيمة معرفية خاصة، إذ التقت فيهما الرؤية الإعلامية بالتوجه التنموي، وتكاملت الخبرة المهنية مع المعالجة البحثية،
بما أتاح للمشاركين فرصة تبادل الرؤى وطرح التساؤلات واستحضار تجارب متعددة من واقع الإعلام العربي.
وقد تشرف اللقاء بحضور الدكتور أمجد بهجت شموط، رئيس مجلس إدارة المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي، القاضي الأردني السابق،
وسفير النوايا الحسنة لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، الذي مثّل حضوره إضافة مهمة للندوة،
وعكس اهتمام المنظمة بتعزيز الحوار العلمي العربي وتوسيع دوائر التواصل بين الباحثين والمختصين في قضايا التنمية والإعلام.
كما نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتور محمد علي عبد العزيز، المدير العام للمنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي،
على جهوده في دعم هذا الحراك العلمي، والإسهام في تنظيم الندوة وإخراجها بالصورة التي تليق بمكانة المنظمة ورسالتها البحثية،
وإلى الفريق الإعلامي للمنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي وجميع الأكاديميين والباحثين والمثقفين والإعلاميين الذين شاركوا في هذا اللقاء،
سواء بالحضور أو بالمداخلات العلمية والنقاشات الثرية، التي أضفت على الندوة حيوية فكرية، وفتحت مساحات أوسع لتبادل الخبرات ووجهات النظر.
ولا شك أن نجاح إدارة هذه الندوة، وما شهده اللقاء من تفاعل ومشاركة نوعية، يعكسان أهمية العمل العلمي التشاركي،
وقدرة المؤسسات البحثية العربية على صناعة منصات للحوار تتجاوز الحدود الجغرافية، وتجمع الكفاءات والخبرات حول قضايا مشتركة تمس حاضر المجتمعات العربية ومستقبلها.
ومن موقع تشرفي بإدارة هذه الندوة، أعتز بما تحقق فيها من تفاعل معرفي، وبما أتاحته من فرصة للالتقاء بنخبة من أصحاب الخبرة والاختصاص،
وأؤمن بأن نجاح أي لقاء علمي لا يُقاس بعدد المشاركين وحده، وإنما بما يتركه من أسئلة جديدة، وما يفتحه من مسارات للتفكير، وما يؤسس له من تعاون معرفي قابل للاستمرار والتطوير.
إن هذه التجربة تمثل بداية واعدة لسلسلة الندوات العلمية التي تعتزم المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي مواصلتها،
ضمن المسار التحضيري للمؤتمر العلمي المرتقب إقامته في دولة الكويت خلال الفترة من 29 إلى 30 ديسمبر 2026، تحت عنوان:
“دور الإعلام والاتصال في التنمية المستدامة واستشراف مستقبل المجتمعات العربية” .
وهو مؤتمر نأمل أن يشكل امتدادًا لهذا الحراك العلمي، وأن يفتح آفاقًا أرحب لمناقشة مستقبل الإعلام العربي،
في ظل التحولات التقنية والمعرفية المتسارعة، وما تفرضه من مسؤوليات جديدة على المؤسسات الإعلامية والبحثية والأكاديمية.
وفي الختام، تبقى أصدق معاني الشكر لكل من أسهم في إنجاح هذه التجربة، ولكل عقل شارك بفكرة، ولكل باحث أضاف معرفة،
ولكل صوت آمن بأن الحوار هو الطريق إلى الفهم، وأن المعرفة حين تتشاركها العقول تتحول إلى قوة قادرة على صناعة التغيير.
فالنجاح العلمي لا ينتهي بانتهاء الندوة، وإنما يبدأ بما تزرعه من أفكار، وما تؤسسه من علاقات، وما تتركه من أثر في مسيرة البحث والمعرفة.
