كتب : مريم شعوط
سياسة العالم الاقتصادية اليوم.. بين مطرقة الطاقة وسندان الذكاء الاصطناعي
يعيش الاقتصاد العالمي في اواخر أكتوبر 2026 لحظة تحول تاريخية، لم يعد فيها ملتقى دافوس مجرد منصة للعلاقات العامة، بل أصبح غرفة مؤشرات مبكرة لنظام اقتصادي جديد تتشكل ملامحه تحت ضغط مزدوج: تسارع التكنولوجيا من جهة، وتسييس التجارة والمال والطاقة من جهة أخرى.
*نمو هش رغم الصدمات*
في أحدث تقرير له صدر هذا الأسبوع، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026 إلى 3.1%، مقابل 3% في يوليو الماضي. ورغم هذا التحسن المحدود، يظل النمو أقل من معدل 3.5% الذي حققه العالم في 2025، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين المسيطرة.
ويقف الاقتصاد العالمي اليوم على صدمتين متضادتين:
الأولى سلبية، تتمثل في أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، حيث يحذر الصندوق من سيناريو وصول النفط إلى 130 دولاراً للبرميل في الربع الأول من 2027، مما قد يخفض النمو العالمي 0.5% ويرفع التضخم إلى 5.2%.
والثانية إيجابية، وهي طفرة الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، التي عوضت جانباً كبيراً من تأثير صدمة الطاقة ومنعت هبوط النمو إلى 2.5%.
*نهاية العولمة المفتوحة*
الرسالة الأوضح في دافوس 2026 هي أن العالم انتقل من منطق “أفضل سعر وأعلى كفاءة” إلى منطق “أقل اعتماد وأعلى أمان”. لم تعد القوة تقاس فقط بالنمو، بل بقدرة الدول على تأمين سلاسل الإمداد والتحكم في البنية التحتية الرقمية.
إننا أمام ما يمكن تسميته “عولمة مشروطة”، حيث أصبحت أدوات الدول من تصنيع ودعم وقيود وفحص للاستثمارات هي التي تحدد حركة التجارة. والدليل أن التجارة بين الصين والولايات المتحدة انخفضت بأكثر من 20% منذ 2024، بينما تتسع التجارة داخل شرق آسيا.
*ثلاثة مخاطر تحكم القرار*
1. *أزمة الديون:* مرونة الاقتصاد العالمي أصبحت عرضة للاختبار مع ارتفاع عبء خدمة الدين، وتقلص قدرة الحكومات والشركات على امتصاص صدمات جديدة.
2. *إعادة ترتيب سلاسل التوريد:* وهو ما يرفع تكلفة المواد الخام والنقل والتأمين ويخلق ضغوطاً تضخمية يصعب على البنوك المركزية احتواؤها.
3. *أزمة الطاقة والأمن النفطي:* فأي تعطيل في الإمدادات من فنزويلا التي تملك أكبر احتياطي في العالم أو منطقة الخليج سيؤثر فوراً على المعروض العالمي.
*خريطة النمو الجديدة*
وفقاً لتقرير الأونكتاد، ستساهم آسيا بنسبة 59% من النمو العالمي في 2026، بقيادة الهند بنمو 7.3%، وإندونيسيا 5.2%، والصين 4.5%. بينما سيعتمد الغرب على مكاسب قطاع التكنولوجيا لتعويض خسائر قطاع الطاقة.
إن عام 2026 هو عام “إدارة التوازنات الحذرة” بين دعم النمو وتحصين الاستقرار المالي. والمستقبل سيكون لمن يستطيع بناء سلاسل قيمة متكاملة داخل قارته
