كتب : دينا كمال
حين يصبح الاعتراف بالحقيقة أخطر من استمرار الخطأ
ليست كل الأخطاء هي التي تكشف حقيقة الإنسان، بل الطريقة التي يتعامل بها معها بعد اكتشافها. فقد يخطئ الإنسان دون قصد، أو يتخذ قرارًا بناءً على معلومات ناقصة، لكن اللحظة الفاصلة تأتي عندما تتضح له النتائج: هل يعترف بما حدث ويحاول إصلاحه، أم يبدأ في البحث عن مبررات تحمي صورته ومكانته؟
هنا يتجاوز الأمر حدود الخطأ الأول، لأن الإنسان يصبح أمام اختيار جديد، يعرف فيه أن الاستمرار قد يضاعف الضرر، ومع ذلك قد يفضّل الصمت. ليس بالضرورة لأنه لا يعرف الصواب، بل لأنه يعرف ثمنه.
حين يصبح الضمير تفاوضًا مع المصلحة
قد يبرر الإنسان صمته بأنه يخشى خسارة مستقبله، أو أن الاعتراف لن يغيّر شيئًا، أو أن التضحية بمصلحته لن تنقذ الآخرين. وقد يظل مقتنعًا بأنه شخص صاحب ضمير، لأنه لم يتسبب في الضرر مباشرة، أو لأنه لم يكن الوحيد الذي يعرف الحقيقة.
لكن الضمير لا يُختبر فقط في قدرتنا على التمييز بين الصواب والخطأ، بل في موقفنا عندما يصبح الالتزام بالصواب مكلفًا. فهناك فرق بين أن يشعر الإنسان بالخوف، وهو شعور طبيعي، وبين أن يجعل خوفه سببًا لاستمرار ضرر يستطيع المساهمة في منعه.
ومع ذلك، ليس من العدل أن نطالب الجميع بالتضحية بأنفسهم في كل موقف دون النظر إلى قدرتهم على التأثير أو حجم الخطر الذي يواجهونه. المسؤولية ليست واحدة في كل الظروف؛ لكنها لا تختفي لمجرد أن أداءها صعب.
من الخطأ الشخصي إلى كلفة القرار السياسي
تتضاعف أهمية هذه المعضلة عندما تتعلق بمسؤول يملك سلطة اتخاذ القرار. فالخطأ الذي يرتكبه فرد قد يظل محدود الأثر، أما القرار الصادر عن موقع سلطة فقد يمس مصالح أعداد كبيرة من الناس. وإذا اكتشف المسؤول أن قراره كان خاطئًا، فإن حماية منصبه لا ينبغي أن تصبح أهم من مراجعة القرار وآثاره.
المشكلة الأعمق تبدأ عندما تتحول المؤسسة من جهة يُفترض أن تتعلم من أخطائها إلى جهة تنشغل بحماية صورتها. عندها لا يعود السؤال: كيف نصلح ما حدث؟ بل يصبح: كيف نمنع ظهور الخطأ؟ وقد يؤدي ذلك إلى تأخير التصحيح، وإضعاف الثقة، وتحميل الآخرين كلفة قرارات لم يشاركوا في اتخاذها.
لكن الاعتراف وحده لا يكفي. فالمسؤول الذي يقر بخطئه دون أن يسعى إلى إصلاح الضرر أو يتحمل تبعات قراره لم ينجز سوى الخطوة الأولى. الاعتراف الحقيقي ليس عبارة تُقال لاستعادة الثقة، بل بداية لمسار من التصحيح والمحاسبة.
المجتمع الذي يحدد ثمن الحقيقة
لا تتوقف المسألة عند صاحب الخطأ؛ فطريقة تعامل المجتمع مع الاعتراف تؤثر أيضًا في القرارات المقبلة. قد يرى البعض في مسؤول يعترف بخطئه شخصًا شجاعًا، بينما يراه آخرون ضعيفًا أو غير جدير بالمنصب. وقد يؤدي الخوف من الحكم العام إلى دفع أشخاص آخرين نحو إخفاء أخطائهم بدلًا من مواجهتها.
لكن هل نحاسب المسؤول لأنه أخطأ، أم لأننا نرفض أن يعترف بأنه أخطأ؟ وهل نريد مؤسسات لا تخطئ، وهو أمر غير واقعي، أم مؤسسات قادرة على اكتشاف أخطائها وتصحيحها قبل أن تتسع نتائجها؟
إن تشجيع الاعتراف لا يعني التساهل مع المسؤولية، كما أن المحاسبة لا ينبغي أن تتحول إلى سبب يجعل إخفاء الحقيقة أكثر أمانًا من كشفها. المطلوب هو أن نفرّق بين خطأ يُواجَه ويُصحَّح، وخطأ يُخفى أو يستمر حفاظًا على مصلحة صاحبه.
في النهاية، الخوف مفهوم، والمصالح حقيقية، والعواقب قد تكون قاسية. لكن وجود أسباب تفسر الصمت لا يجعل كل صمت صحيحًا. فالإنسان لا يُقاس فقط بالقرارات التي يتخذها عندما تكون الخيارات سهلة، بل أيضًا بما يفعله حين تتعارض مصلحته مع حق الآخرين في معرفة الحقيقة.
إذا كنا نريد أفرادًا يتحملون مسؤولية اختياراتهم، ومؤسسات تتعلم من أخطائها، فالسؤال الذي ينبغي أن نواجهه هو: لماذا قد يصبح الاعتراف بالحقيقة أخطر على صاحب الخطأ من استمرار الضرر على من يدفعون ثمنه؟
