كتب : يسرا عبدالعظيم
“خاص للعرب نيوز اللندنية” د.غالية الزبيدى : المعرفة نهر واحد.. والجوائز لحظة اعتراف تضاعف مسؤولية المبدع

حوار: يسرا عبدالعظيم
تتحرك الدكتورة غالية بنت عيسى الزبيدي في فضاءات معرفية متعددة بكثير من السلاسة والعمق؛ فهي الأكاديمية المتخصصة في اللسانيات وتحليل الخطاب،
والتربوية التي تسهم في بناء العقول بوزارة التعليم، والشاعرة والقاصة التي توجت مؤخرًا بجائزة “سرد الذهب” للقصة القصيرة لعام 2026.
في هذا الحوار الخاص بـ “العرب نيوز اللندنية”،
نُبحر معها في تفاصيل تجربتها الإبداعية والأكاديمية، ونناقش رؤيتها للمشهد الثقافي والإعلامي العربي،
وتحديات القراءة والذكاء الاصطناعي، وكيف يتكامل العقل المحلل مع الروح المبتكرة لإنتاج نص يعيد بناء الإنسان والمجتمع.
العرب نيوز : يحضر اسم الدكتورة غالية بنت عيسى الزبيدي في أكثر من فضاء؛ بين البحث الأكاديمي، والعمل التربوي، والإبداع الأدبي، والنشاط الثقافي.
كيف تشكلت هذه التجربة المتعددة، وما الفكرة التي ظلت تقودك في مختلف محطاتها؟
د. غالية الزبيدي: أؤمن بأن المعرفة نهر واحد، وإن تعددت روافده. لذلك لم أشعر يومًا أن العمل الأكاديمي بعيد عن الأدب،
أو أن التربية منفصلة عن الثقافة، بل رأيتها جميعًا دوائر تلتقي في بناء الإنسان.
بدأت رحلتي من شغفي باللغة العربية، ثم قادتني الدراسات العليا إلى اللسانيات وتحليل الخطاب،
بينما ظل الأدب نافذتي الأوسع لفهم الإنسان والتعبير عن أسئلته.
وفي عملي بوزارة التعليم ازددت يقينًا بأن بناء المناهج هو في جوهره بناء للعقول والوجدان معًا.
أما النشاط الثقافي فقد منحني فرصة للحوار مع المجتمع، والإيمان بأن الثقافة ضرورة حضارية.
ولعل هذه المسارات المتعددة لم تكن تشتتًا، وإنما كانت وجوهًا مختلفة لفكرة واحدة،
هي أن الكلمة الواعية قادرة على صناعة أثر يتجاوز حدود النص إلى بناء الإنسان والمجتمع.
العرب نيوز : نبارك لكم الفوز بجائزة “سرد الذهب” للقصة القصيرة لعام 2026.
ماذا يمثل هذا التتويج في مسيرتكم الإبداعية؟ وكيف تنظرون إلى دور الجوائز الأدبية في تحفيز حركة السرد العربي؟
د. غالية الزبيدي: أشكركم على هذه التهنئة الكريمة. يمثل الفوز بجائزة “سرد الذهب” محطة مضيئة في رحلتي مع الكتابة،
لأنه جاء عن نص آمنت به قبل أن تؤمن به لجنة التحكيم. والجوائز في تقديري ليست غاية يكتب المبدع من أجلها،
وإنما هي لحظة اعتراف تمنح الكاتب مسؤولية أكبر تجاه مشروعه الأدبي.
وما أسعدني في هذه الجائزة أنها تعنى بالقصة القصيرة،
ذلك الفن الذي يحتاج إلى عناية أكبر في المشهد العربي.
وأرى أن الجوائز عندما تتسم بالنزاهة والمعايير الفنية الرفيعة فإنها تكتشف الأصوات الجديدة،
وتدفع الكُتّاب إلى تطوير أدواتهم، وتسهم في إثراء الحركة السردية العربية،
شريطة ألا تتحول إلى المعيار الوحيد للحكم على قيمة الإبداع.
العرب نيوز : يتنقل قلمكم بين الشعر والقصة القصيرة بسلاسة لافتة.
كيف توفقون بين هذين العالمين المختلفين في أدواتهما؟ وأيهما يجد في داخلكم مساحة أوسع للتعبير؟
د. غالية الزبيدي: لا أتعامل مع الشعر والقصة بوصفهما متنافسين، وإنما بوصفهما لغتين لقول الحقيقة الإنسانية. الفكرة هي التي تختار شكلها الفني،
وليس العكس. أحيانًا تطرقني لحظة شعورية مكثفة لا تحتمل سوى القصيدة، وأحيانًا أجد أن الفكرة تحتاج إلى شخصيات وحوار وزمن، فتولد قصة قصيرة.
الشعر يمنحني حرية الانفعال والرمز والإيقاع، بينما تمنحني القصة فرصة تأمل الإنسان في تفاصيله الدقيقة.
وربما لهذا يتسرب الحس الشعري إلى قصصي، كما تتسلل روح السرد إلى بعض قصائدي.
وفي النهاية أترك للنص أن يفرض عليّ شكله، ولا أفرض عليه قالبًا مسبقًا.
العرب نيوز: أنتم باحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب.
إلى أي مدى أسهم هذا التخصص الأكاديمي في تشكيل تجربتكم الإبداعية؟ وهل يستطيع المنهج العلمي أن يتعايش مع حرية الخيال؟
د. غالية الزبيدي: أرى أن العلاقة بين البحث العلمي والإبداع علاقة تكامل لا تعارض.
فاللسانيات وتحليل الخطاب منحاني وعيًا أعمق باللغة، وبطرائق إنتاج المعنى،
وبقدرة المفردة على التأثير في المتلقي. لكن هذا الوعي لا يقيد الخيال، بل يمنحه أدوات أكثر دقة.
فالكاتب يحتاج إلى الحس قبل النظرية، لكنه يحتاج أيضًا إلى معرفة تمكنه من توظيف اللغة بوعي ومسؤولية.
لذلك أحاول أن أوازن بين العقل الذي يحلل، والروح التي تبتكر، لأن النص الجميل هو الذي يخفي جهده العلمي، ويترك للقارئ متعة الاكتشاف.
العرب نيوز: من منظوركم العلمي في تحليل الخطاب، كيف تقرؤون المشهد الثقافي والإعلامي العربي اليوم؟ وما أبرز التحولات التي تستوقفكم؟
د. غالية الزبيدي: نعيش اليوم مرحلة تتسارع فيها صناعة الخطاب أكثر من أي وقت مضى، بفعل المنصات الرقمية وتعدد وسائل النشر.
وأعتقد أن أبرز التحولات تتمثل في الانتقال من سلطة المؤسسات إلى سلطة الفرد، ومن النص الطويل إلى الرسائل المختزلة والسريعة.
وهذا التحول أتاح فرصًا واسعة للتعبير، لكنه في الوقت نفسه جعل الخطاب أكثر عرضة للاستقطاب والتبسيط والسطحية.
لذلك نحن بحاجة إلى خطاب ثقافي يعيد الاعتبار للمعرفة العميقة، ويوازن بين سرعة الوصول وجودة المحتوى،
لأن بناء الوعي يحتاج إلى الكلمة المسؤولة، لا إلى الكلمة الأسرع انتشارًا.
العرب نيوز: في ظل هيمنة منصات التواصل الاجتماعي، ما الدور الذي ما تزال الصحافة الثقافية قادرة على القيام به في تقريب المسافة بين المبدع والقارئ؟
د. غالية الزبيدي: ما زلت أؤمن بأن الصحافة الثقافية تؤدي دورًا لا يمكن أن تستبدل به وسائل التواصل وحدها.
فالصحافة الثقافية الجادة لا تكتفي بنقل الخبر، وإنما تصنع السياق، وتقدم القراءة والتحليل والنقد،
وتفتح أبواب الحوار بين المبدع والمتلقي.
أما المنصات الرقمية فقد منحت سرعة الانتشار،
لكنها لا تمنح دائمًا العمق المطلوب. ولذلك فإن التكامل بين الصحافة الثقافية والإعلام الرقمي هو الخيار الأمثل،
بحيث نستثمر سرعة الوسائط الحديثة دون أن نفقد قيمة المحتوى الرصين.
العرب نيوز: بصفتكم فاعلة في المشهد الثقافي، ما أبرز القضايا التي ترون أنها تستحق اهتمامًا أكبر في الساحة الخليجية والعربية اليوم؟
د. غالية الزبيدي: أعتقد أن أولويتنا اليوم ينبغي أن تكون الاستثمار في الإنسان ثقافيًا، بدءًا من الطفل وحتى الباحث والمبدع.
كما أننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفعل القراءة، وإلى دعم صناعة النشر والترجمة، وإتاحة الفرص أمام الأصوات الشابة.
وهناك أيضًا أهمية كبيرة لربط الثقافة بالتعليم، لأن الثقافة لا تنمو في الفراغ، وإنما تبدأ من المدرسة.
كما أرى ضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لدعم المعرفة،
وليس بديلًا عن التفكير والإبداع، مع الحفاظ على الهوية الثقافية العربية في ظل التحولات العالمية المتسارعة.
العرب نيوز: لكل نص أدبي لحظة ميلاد مختلفة. كيف تتشكل الفكرة لديكم؟ وكيف تعرفون أن هذه الفكرة ستصبح قصيدة، بينما تتجه أخرى إلى القصة القصيرة؟
د. غالية الزبيدي: أفكاري غالبًا تبدأ بصورة أو سؤال أو موقف عابر يظل يرافقني طويلًا. لا أتعجل الكتابة،
بل أترك الفكرة تنضج في داخلي حتى تكشف عن شكلها. فإذا كانت تعتمد على الإيقاع والانفعال والدهشة اتجهت إلى القصيدة،
أما إذا بدأت الشخصيات تتحرك، وظهر الزمن والمكان والصراع، أدرك أنها تبحث عن فضاء القصة.
لذلك لا أختار الجنس الأدبي بإرادتي الكاملة، وإنما أستجيب لما يطلبه النص نفسه، لأن لكل فكرة موسيقاها الخاصة، ولكل تجربة شكلها الذي يليق بها.
العرب نيوز: بعد هذا الإنجاز الأدبي، ما المشاريع التي تعملون عليها حاليًا،
وما الذي تطمحون إلى إضافته للمكتبة العربية في المرحلة المقبلة؟
د. غالية الزبيدي: أتعامل مع كل إنجاز بوصفه بداية جديدة، وليس محطة وصول.
وأعمل حاليًا على عدد من المشاريع التي تجمع بين البحث والإبداع، من بينها مشروع سردي جديد،
إلى جانب دراسات في اللغة وتحليل الخطاب، ومشروعات ثقافية وتربوية تهدف إلى تعزيز العلاقة بين المعرفة والهوية.
كما أواصل العمل على تطوير مجلة “آفاق المناهج” لتكون منصة فكرية تسهم في الحوار حول قضايا التعليم والثقافة.
وطموحي الحقيقي أن أقدم أعمالًا تبقى قيمتها في أثرها المعرفي والإنساني،
وأن أضيف إلى المكتبة العربية نصوصًا تحمل جمال اللغة وصدق الفكرة وعمق الرؤية.

