كتب : د. سهير بنت سند المهندي
حوار المنامة… مَن يضمن اليوم التالي للأزمة؟
أهم ما يطرحه ” حوار المنامة” على المنطقة هو قدرتها على تحويل القلق الأمني إلى ترتيبات تمنع تجدده، فوجود مسؤولين وصنّاع قرار وخبراء من نحو خمسين دولة في البحرين يمنح النقاش وزنًا سياسيًا،
لكنه يضع أمامه أيضًا اختبارًا صعبًا: هل تستطيع الدول بناء استقرار أطول عمرًا من التهدئة، وأكثر صلابة من التفاهمات التي تتراجع عند أول مواجهة؟
هذا هو السؤال الذي يمنح المنتدى أهميته في واقع تتداخل فيه الاعتداءات الحوثية التي استهدفت السعودية، والتوترات المرتبطة بإيران وأدوارها الإقليمية،
ومخاطر اضطراب الملاحة، فقد أصبح القلق عاملًا حاضرًا في حسابات الحكومات والمستثمرين وشركات النقل والتأمين، وحتى عندما تنخفض حدة المواجهة،
يبقى احتمال عودتها مؤثرًا في القرارات، وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الأزمات: أن تستمر كلفتها الاقتصادية والسياسية بعد تراجع مظاهرها العسكرية.
ومن هذه الزاوية، يستحق شعار ” المصالح والاصطفافات والتكامل” قراءة تتجاوز عناوين الجلسات، فالمصالح قد تجمع دولًا تختلف سياسيًا، والاصطفافات قد توفر حماية لكنها تحمل التزامات وحسابات متعارضة،
أما التكامل فيحتاج إلى اتفاق واضح بشأن مصادر التهديد وحدود المسؤولية ووسائل الاستجابة، والتحدي أن بعض الأطراف يريد حماية التجارة، وبعضها يركز على الردع، فيما تسعى دول المنطقة إلى حماية سيادتها ومنع تحويل أراضيها ومياهها إلى ساحات لتصفية الحسابات.
لذلك تبدأ القيمة الدبلوماسية لحوار المنامة من كشف المسافة بين هذه الأولويات، فالاتفاق على أهمية الاستقرار سهل، أما الاتفاق على السلوك الذي يحميه فأصعب، ويمكن للقاءات المباشرة أن تختبر جدية التعهدات، وتوضح الخطوط التي قد يؤدي تجاوزها إلى التصعيد،
وتفتح قنوات اتصال تمنع سوء التقدير، وفي بيئة مشحونة، تصبح القدرة على تفسير تحرك عسكري أو احتواء حادث محدود جزءًا من حماية المنطقة من مواجهة أوسع.
لكن مواجهة الاعتداءات والتهديدات تحتاج إلى معالجة تجعل كلفة تكرارها واضحة، فمع الاعتداءات الحوثية، وما تثيره سياسات إيران وتحركاتها الإقليمية من مخاوف،
يظل السؤال عن الجمع بين الردع والدبلوماسية والمساءلة، الردع يحتاج إلى قدرة ومصداقية، والدبلوماسية تحتاج إلى التزامات يمكن التحقق منها،
والمساءلة تحتاج إلى أدلة ومسارات قانونية قابلة للتفعيل، ومن دون هذا الترابط، قد تتحول كل تهدئة إلى فترة انتظار للجولة التالية.
ويبرز الأمن البحري بوصفه الاختبار الأكثر وضوحًا لهذا الترابط، فحماية السفن والممرات تتصل مباشرة بأمن الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد،
كما تتصل بثقة المستثمر في قدرة المنطقة على الوفاء بالتزاماتها التجارية، وحين تدخل احتمالات التعطيل في تسعير الشحن والتأمين، تتحمل الاقتصادات كلفة الخطر حتى قبل وقوعه؛ وتلك كلفة تتسلل إلى أسعار السلع، وجدوى المشروعات، وقرارات التوسع والاستثمار.
ومن هنا يستحق البعد القانوني والقضائي مكانًا أوضح في النقاش، فالحادث البحري يفتح أسئلة تتعلق بإثبات المسؤولية، وحفظ الأدلة، والاختصاص القضائي، والتعويض، والتعاون بين الدول،
وقد تتداخل فيه مسؤولية المنفذ مع شبكات التمويل والتسليح والدعم، بما يستدعي تحقيقًا دقيقًا يميز بين الاتهام السياسي والإثبات القانوني، وأي تعاون أمني يظل بحاجة إلى قدرة مؤسسية تتيح متابعة الجريمة بعد احتواء خطرها المباشر.
وهذه الصلة بين الأمن والقضاء تحمل قيمة استثمارية أيضًا، فالمستثمر ينظر إلى قدرة الدولة على حماية منشآته، وإلى وضوح القانون وإنفاذ العقود وتسوية المنازعات واستمرار الخدمات عند الأزمات،
لذلك فإن مناقشة إعادة الإعمار والازدهار تكتسب جديتها عندما تتصل بضمانات عملية لاستمرار النشاط الاقتصادي، رأس المال يستطيع احتساب مخاطر معلومة؛ أما الغموض المفتوح فيدفعه إلى التأجيل أو البحث عن وجهة أخرى.
وتمنح البحرين هذا اللقاء قيمة تتصل بقدرتها على جمع دوائر سياسية وأمنية واقتصادية متعددة في مساحة نقاش واحدة، والمكسب الممكن أن تتقارب تصورات هذه الدوائر
بشأن ما تحتاج إليه المنطقة فعلًا: إنذار مبكر، واتصال وقت الأزمات، وحماية للملاحة، وتعاون قضائي، ومؤسسات قادرة على مواصلة العمل تحت الضغط.
أما المعيار الأجدى للحكم على أثر الحوار مستقبلًا، فهو مقدار ما يضيفه إلى قابلية المنطقة للتوقع.
هل تصبح الاستجابة للأزمة أسرع وأوضح؟ وهل تتقلص مساحة الإفلات من المسؤولية؟ وهل يستطيع المستثمر والمواطن أن يبنيا قراراتهما على ثقة تتجاوز هدوء اللحظة؟
سيستمر القلق ما دامت أسبابه قادرة على إعادة إنتاج نفسها، والفرصة التي تفتحها المنامة هي أن تنتقل المنطقة من انتظار الخطر إلى تنظيم القدرة على مواجهته،
عندها فقط يصبح الحوار مؤثرًا في اليوم التالي لانتهاء جلساته؛ يوم تعود الحكومات إلى قراراتها، والسفن إلى مساراتها، والمستثمرون إلى حساباتهم، ويبحث الجميع عمّا تغيّر فعلًا.
