كتب : د. سهير بنت سند المهندي
ماذا بقي من معلمينا فينا؟ ثم ننظر إلى أبنائنا ونسأل: ماذا سيبقى منا فيهم؟
في داخل كل واحد منا معلم لم يغادر قد ننسى اسمه، أو تتباعد ملامحه في الذاكرة، لكن صوله يعود حين لفريد وطريقته في النظر إلى الأشياء توافقنا حين تحكم ونختار بعض المعلمين تركوا فينا شجاعة السؤال، وبعضهم علمونا أن الخطأ بداية للفهم، وآخرون تركوا جرحاً احتجنا سنوات لتجاوزه هكذا يستمر الدرس بعد انصراف التلاميذ، ويظل أثره يعمل في حياتهم دون جرس أو سبورة.
في الخامس من أكتوبر، اليوم العالمي للمعلم تتقدم هذه الذاكرة على كلمات التهنئة، ماذا يقي من معلمينا فينا؟ سؤال يستدعي وجوها، لكنه يستدعي أيضا مراجعة أنفسنا: هل حفظنا منهم المعرفة وحدها، أم حملنا عدلهم وصبرهم وإيمانهم بالإنسان؟ وهل تمارس اليوم ما أحببناه فيهم، أم تكرى دون انتباه، ما ألمنا منهم ؟
تتأمل هنا ذلك المعلم الذي كان يرى خلف الإجابة المتعثرة طفالاً خائفاً، وخلف الصمت عقلاً يحتاج إلى فرصة كان يستطيع أن ينهي الموقف بتوبيخ لكنه اختار سؤالاً آخر، وانتظر تلك التوالي قد تصنع فارقاً بين إنسان يخشى الكلام طوال عمره، وإنسان يتق بأن صوته يستحق أن تسمع أن التربية تتكون أيضاً من التفاصيل التي تبدو عابرة لمن يصنعها، وتصبح مصيرية لمن يتلقاها.
وطالب اليوم يدخل الصف ومعه عالم كامل في هاتفه يعرف أشياء، ويظن أنه يعرف أشياء أكثر. لذلك يحتاج معلماً يشاركه البحث، ويدربه على التحلق ويمنحه حق الاعتراض المؤدب حين يقول المعلم التفكر معاً، يفتح للطالب باب المسؤولية والمشاركة تعنى جهداً وأمانة وإنصائاً، وتعلم أن الحرية في السؤال تقابلها مسؤولية في استخدام المعرفة.
ومن هذه العلاقة يولد الاحترام للطالب كرامته، وللمعلم كرامته ولأحدهما حق التعلم. وللآخر حالى أداء عمله في بيئة تقدر جهده لا يصح أن تتحول مكانة المعلم إلى حصانة من المراجعة، ولا أن يصبح حال الطالب ذريعة الاستهانة. يثبت التقدير حين يعدل المعلم، ويجتهد الطالب، والسائد الأسرة، وتحمي المؤسسة حقوق الجميع. فالاحترام الذي تطلبه من الأبناء يحتاج
إلى نموذج يشاهدونه كل يوم.
ثم يأتي السؤال الأصعب ماذا سيبقى منا فيهم؟ نحن أيضاً تعلم، حتى حين لا نقصد الأم التي تعتذر تعلم شجاعة الاعتراف، والأب الذي يفي بوعده يعلم الأمانة، والمسؤول الذي ينصف يعلم العدالة، وعلى الشاشة، يعلم صاحب المحتوى جمهوره كيف يتحدثون ويختلفون وينظرون إلى الآخرين، تتصل هذه الحلقات لتشكل الإنسان، وقد تتناقض فتتركه حائراً بين قيم يسمعها وسلوك براه.
لهذا يصبح إعداد إنسان المستقبل مسؤولية مشتركة تحتاج إلى معرفة تتجدد، وإلى ضمير يرافقها؛ إلى قدرة على التعامل مع التقنية، وإلى بصيرة تحصى الإنسان من اختزال قيمته في إنتاجه سيواجه أبناؤنا عالماً لا تستطيع توقع تفاصيله، لكننا تستطيع أن تترك فيهم قدرة على التعلم، وشجاعة أخلاقية، ورحمة تجعل تقدمهم الاطعاً لغيرهم، فما تزرعه اليوم في نفوسهم. سيعود غداً في صورة مجتمع كامل.
في يوم المعلم التذكر أن أبناءنا سيكبرون، وسينسون كثيراً مما قلناه لكنهم سيحملون الطريقة التي جعلناهم يشعرون بها تجاه أنفسهم والعالم. وسيأتي يوم يغيب فيه صوتنا، وتتكلم اثارنا عندها يكون أعظم تكريم للمعلم إنساناً يواجه الحياة بثقة، ويمنح الآخرين النور الذي تلقاه.
بقلم : د. سهير بنت سند المهندي إعلامية وباحثة اكاديمية
