كتب : حسيبة صالح -سوريا
حين تُستدعى الأيديولوجيا إلى الطاولة: سوريا تبحث عن دولة لا عن سلطة
بدا المشهد في مقر الأكاديمية السورية الدولية بدمشق وكأنه محاولة جادّة لإعادة فتح الدفاتر القديمة،
لكن هذه المرّة بعينٍ نقدية لا تخشى المواجهة. فقد قدّم الدكتور أحمد طعمة جلسة حوارية بعنوان “أثر الأيديولوجيا في الحياة السياسية في سوريا بعد الاستقلال”،
وأدارتها الأستاذة منار حمدان، بحضور نخبة من الباحثين والمهتمين بالشأن السياسي،
في نقاش اتّسم بالحيوية والجرأة، وبتفاعل لافت من الحضور الذين لم يكتفوا بالاستماع،
بل شاركوا بأسئلة ومداخلات كشفت عمق القلق السوري من مستقبل الدولة.
منذ اللحظة الأولى، وضع الدكتور طعمة إصبعه على الجرح البنيوي للأزمة السورية، مؤكداً أن السياسة في سوريا لم تُمارَس بوصفها علمًا، بل كهواية،
منذ انتخابات 1947 وصولاً إلى مرحلة “تأميم الحزب للدولة”. وتناول المشاركون
كيف تحوّلت الأيديولوجيات الكبرى — البعث، الشيوعية، والتيار الإسلامي — من مشاريع فكرية إلى أدوات صراع، قوّضت بناء الدولة، وغيّبت المواطن لصالح الشعارات، وحوّلت الجيش من مؤسسة وطنية إلى منصة للانقلابات.
لم يغب التاريخ عن الطاولة: أكرم الحوراني وسياسته القائمة على الوصول إلى السلطة،
ميشيل عفلق وتعريفه للحرية بوصفها تحررًا من الاستعمار، خالد بكداش وصعود الفكر اليساري، ثم الوحدة مع مصر،
وصولاً إلى تحولات الإسلاميين بعد 1967 وبداية السلفية في سوريا. كل ذلك شكّل طبقات متراكمة من الأيديولوجيا التي — كما اتفق الحضور — لم تُنتج مجتمعًا متوافقًا على بنية مشتركة.
أحد الباحثين ذكّر بأن السوريين ليسوا هواة، وأن السياسة علمٌ لا يُمارس بالولاءات بل بالكفاءات. آخرون أشاروا إلى أن أخطر ما واجهته البلاد هو “عبادة الأصنام الفكرية”، وأننا — كما قال أحد المتداخلين — “نصنع الدكتاتور بأيدينا”. فيما دعا آخرون إلى الانتقال من صراع الأيديولوجيا إلى حوار الأيديولوجيا، وإلى بناء طبقة نخبوية مفكّرة، حكيمة، تمتلك خبرة تراكمية لا تُختزل في شعارات.
ولم تخلُ الجلسة من إشارات فلسفية وتاريخية، إذ استعاد الدكتور مروان حبش لحظة خسارة المعتزلة، بينما شدّد المعتصم بالله المصري على ضرورة وجود أحزاب ذات برامج عمل وخدمات، بعيدًا عن الأيديولوجيا. كما طُرحت فكرة أن المشكلة ليست في الأيديولوجيات نفسها، بل في استخدامها كسلاح في الصراع السياسي.
في ختام الجلسة، بدا أن الجميع يتفق على نقطة واحدة: العجز عن بناء دولة تستوعب جميع مكوّناتها يعني استمرار الضياع الوجودي. وأن الطريق نحو سوريا المنشودة يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، ودراسة تاريخ الأفكار، والتمييز بين الدولة والسلطة، وبناء مؤسسات تعتمد الكفاءة لا الولاء. فكما قال أحد الحضور: “العلم أعلى مراتب اليقين… وسوريا اليوم تحتاج إلى التدرّج، لا القفز في العتمة.”
لم تكن الجلسة مجرد نقاش سياسي، بل محاولة لفتح نافذة نحو مستقبلٍ مختلف، تُبنى فيه الدولة على العقل لا على الشعارات، وعلى الحوار لا على الصراع. وفي زمنٍ تتسارع فيه
التكنولوجيا وتتغيّر فيه المجتمعات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع السوريون أخيرًا أن يخرجوا من النفق الذي لا تُرى في نهايته النجاة، ويبدأوا بناء دولة تستحقهم؟
