كتب : حسيبة صالح /سوريا
«البيئة… رأس المال الحقيقي لمستقبل البشرية»
ينبض المستقبل بفعلٍ واحدٍ لا يحتمل التأجيل: أن ندرك أن البيئة ليست مجرد خلفية لحياتنا، بل هي الركيزة التي يقوم عليها الاقتصاد والصحة والأمن الغذائي واستقرار المجتمعات. في زمنٍ تتشابك فيه الأزمات المناخية والاقتصادية، تصبح حماية الطبيعة قضية وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة. ومن هنا، جاء حديث الدكتور المهندس صفوان أمجد الحلبي لـ العرب نيوز اللندنية ليضع البيئة في قلب المعادلة، رابطًا بين العلم والاقتصاد والسياسة، ومؤكدًا أن حماية النظم البيئية لم تعد خيارًا بل ضرورة علمية واقتصادية.

أشار الحلبي إلى أن البيئة لم تعد قضيةً تخص المهتمين بالطبيعة أو المختصين في علوم المناخ، بل أصبحت محورًا رئيسيًا في الأمن العالمي والتنمية الاقتصادية والصحة العامة. وتشير التقارير الدولية إلى أن العالم يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة تغير المناخ، وفقدان التنوع الحيوي، والتلوث، والاستهلاك غير المستدام للموارد الطبيعية. وتؤكد الأمم المتحدة أن هذه الأزمات مترابطة، وأن معالجتها تتطلب سياسات علمية متكاملة وتعاونًا دوليًا واسعًا.
وأكد أن الطبيعة ليست عبئًا اقتصاديًا، بل هي أساس الاقتصاد العالمي. فوفقًا لبيانات الأمم المتحدة، يعتمد أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الموارد الطبيعية والخدمات التي تقدمها النظم البيئية: المياه العذبة، الغابات، التربة الخصبة، والتلقيح الطبيعي للمحاصيل. كما يعتمد أكثر من مليار إنسان على الغابات في مصادر رزقهم.
وأوضح الحلبي أن التنوع الحيوي يمثل ركيزة في الأمن الغذائي والصحة؛ إذ إن أكثر من 75% من المحاصيل الغذائية العالمية تعتمد على الملقحات الطبيعية، التي تسهم بما بين 235 و577 مليار دولار أمريكي سنويًا في الإنتاج الزراعي. كذلك فإن أكثر من نصف الأدوية الحديثة مصدرها مركبات طبيعية مستخلصة من النباتات والكائنات الدقيقة.
ولفت الحلبي إلى أن الضغوط على البيئة تتزايد بشكل خطير؛ إذ يواجه أكثر من 48 ألف نوع من الكائنات الحية خطر الانقراض، وفقد العالم نحو 41 مليون هكتار من الغابات منذ عام 2015. النظم البيئية السليمة يمكن أن توفر نحو 37% من جهود خفض الانبعاثات اللازمة للحد من الاحترار العالمي، لكن حين تتدهور تتحول إلى مصدر لانبعاث الكربون بدلًا من امتصاصه.
وبيّن أن آثار التدهور البيئي لا تقتصر على الطبيعة وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد والصحة والاستقرار الاجتماعي. فموجات الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات وتلوث الهواء ترفع تكاليف الرعاية الصحية، وتؤثر في الإنتاج الزراعي، وتزيد من الضغوط على الموارد المائية والغذائية، مما يجعل الاستثمار في حماية البيئة استثمارًا في مستقبل الإنسان نفسه.
وأكد الحلبي أن بناء مستقبل مستدام يتطلب تعزيز البحث العلمي، تطوير التقنيات النظيفة، توسيع استخدام الطاقة المتجددة، ترشيد استهلاك المياه، وزيادة المساحات الخضراء. كما يجب دمج الاعتبارات البيئية في التخطيط الحضري والصناعي والزراعي، بحيث تصبح التنمية والبيئة شريكين لا متنافسين.
البيئة ليست مجرد إطار خارجي نعيش فيه، بل هي البنية الأساسية للحضارة الإنسانية. كل استثمار في الطبيعة هو استثمار في الصحة والاقتصاد والأمن الغذائي وجودة الحياة. إن مسؤولية الحفاظ عليها لم تعد مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين العلماء وصناع القرار والقطاع الخاص والمجتمع المدني. فمستقبل البشرية يبدأ من سلامة الأرض التي تحتضننا، ومن فعلٍ واحدٍ نلتزم به اليوم: أن نحمي رأس مالنا الحقيقي قبل أن يتحول إلى خسارة لا تُعوّض.


