كتب : حسيبة صالح /سوريا
السياسة بديلاً للعنف… حوار يعيد بناء النسيج السوري”
فتحت الأكاديمية السورية الدولية أبوابها على جلسة طاولة مستديرة بعنوان “السياسة بديلاً للعنف – بناء النسيج السوري والعقد الاجتماعي”، لتؤكد أن الفكر هو السبيل الأرقى لمواجهة الأزمات، وأن الحوار هو البديل الأجمل عن لغة السلاح.
تولّى إدارة الجلسة الأستاذ مروان حبش بكلمات ترحيبية حملت دفء اللقاء، قبل أن يقدّم الباحث السياسي والاجتماعي أحمد باكورة محاضرته التي شكّلت قراءة معمّقة للأزمة السورية، ووضعت أمام الحضور خريطة واضحة لمسارات الخروج من دائرة العنف.
جوهر الأزمة… غياب القواعد لا كثرة الاختلافات
ركّز باكورة على أن المشكلة ليست في تعدد الآراء أو تنوع الهويات، بل في غياب القواعد المستقرة التي تنظّم هذا الاختلاف.
فعندما تغيب المؤسسات، يتحول الخلاف إلى أزمة، والأزمة إلى صراع، والصراع إلى عنف.
ومن هنا، شدّد على أن السياسة المنظمة هي البديل الحقيقي للعنف، لأنها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع وإدارة التنافس دون انزلاق نحو الفوضى
قدم باكورة ثلاث ركائز أساسية للانتقال من منطق الخوف إلى منطق السياسة:
• الذاكرة الجمعية: تحويل الألم إلى اعتراف لا إلى انتقام.
• العدالة الانتقالية: معالجة المظالم وبناء الثقة.
• المواطنة اليومية: أن يشعر المواطن بحقوقه في حياته اليومية، لا في الشعارات.
أوضح باكورة أن سورية تقف عند نقطة حرجة قابلة للارتداد، حيث الاستقرار الظاهر يخفي هشاشة اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية.
وأن مسار الصعود يبدأ بالانتقال والتسوية، ثم إعادة بناء العقد الاجتماعي، وصولًا إلى السلم المستدام.
حذر باكورة من خمسة عوامل متقاطعة قد تعيد البلاد إلى دائرة العنف:
• أزمة الهوية الوطنية
• التوترات الإقليمية والدولية
• إرث العنف والذاكرة المتعددة
• الاقتصاد المأزوم
• تفكك المجال العام
وهي عوامل تجعل أي شرارة قادرة على إشعال مسارات خطرة.
توقف باكورة عند العلاقة بين الذاكرة والاقتصاد، موضحًا أن الذاكرة غير المنصفة واقتصاد الحرب يحوّلان الألم والفقر إلى وقود للتعبئة وطلب الحماية، ما يضعف العقد الاجتماعي ويعمّق الانقسامات.
أشار إلى أن غياب الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني دفع الخلافات إلى الشارع والمنصات الرقمية، حيث تحوّلت السياسة إلى صراع وجودي.
ومع التحولات الإقليمية، أصبحت الهوية الوطنية مهددة أمام هويات ما دون الدولة.
عرض باكورة أربعة سيناريوهات محتملة:
• صراع أهلي منخفض الشدة
• مناطق نفوذ متنافسة
• استقرار هش
• حرب أهلية مفتوحة
وكلها قابلة للتفادي إذا جرى العمل على إصلاح البنى المنتجة للعنف
فرّق بين إدارة الصراع، حل الصراع، وتحويل الصراع، مؤكدًا أن سورية تحتاج إلى تحويل الصراع: أي تغيير البنى والعلاقات التي تنتج العنف، لا الاكتفاء بتهدئة مؤقتة.
اختتم باكورة حديثه بالتأكيد ان السياسة تصبح بديلا عن العنف عندما تبنى كقواعد ومؤسسات وضمانات فالمشكلة السورية لا تحل بالدعوة العامة للسلم الأهلي ولا بمجرد خفض التوتر الأمني بل بإعادة بناء شروط إدارة الخلاف داخل القانون والمواطنة والمساءلة كلما وجدت قنوات عادلة للتغيير ومؤسسات قادرة على الحماية وآليات واضحة للمحاسبة تراجعت الحاجة إلى الخوف والثأر والتعبئة والاحتماء بالهويات الضيقة
شرط النجاح هو الجمع بين العدالة والسلم الأهلي في مسار واحد لا عدالة مستقرة من دون سلم أهلي يحمي الجميع من الانتقام والتعميم ولا سلم أهلي حقيقي من دون عدالة تنصف الضحايا وخدمات تعيد الثقة اليومية بالدولة وضمانات تمنع عودة الخوف
بهذا المعنى لا يكون الانتقال مجرد تسوية سياسية بل عملية طويلة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة وبين الجماعات السورية نفسها على قاعدة الحقوق والمسؤلية والمواطنة
يبدأ العقد الاجتماعي الجديد حبن يرى المواطن الدولة في الوثيقة والخدمة والحماية والإنصاف والتمثيل
سليم خير بك… حين تتكلم الذاكرة
وفي سياق الحوار، جاءت مداخلة المناضل السياسي سليم خير بك — الذي عاش ثلاثة عشر عامًا في ظروف سياسية قاسية — لتضيف بعدًا إنسانيًا وتجريبيًا عميقًا.
تحدّث عن أثر الذاكرة غير المعالجة، وكيف يمكن للظلم حين يُترك دون اعتراف أو إنصاف أن يتحوّل إلى جرح مفتوح يهدد السلم الأهلي.
وأكد أن المصالحة الحقيقية تبدأ من الاعتراف، وأن السياسة لا تستقيم دون ذاكرة مُنصفة تحفظ الكرامة ولا تُعيد إنتاج الألم
وفيق عرنوس… قراءة اجتماعية بطعم السخرية الذكية
تلتها مداخلة الدكتور وفيق عرنوس، الذي تناول بأسلوب طريف وعميق طريقة تقبيل السوريين لبعضهم في هذا الزمن، رابطًا بين العادات الاجتماعية والتحولات السياسية.
قدّم قراءة خفيفة الظل لكنها عميقة الدلالة، تُظهر كيف تتغيّر تفاصيل الحياة اليومية حين يتغيّر الإطار السياسي والاجتماعي.
أحمد طعمة… من الخوف إلى المواطنة
ثم جاءت مداخلة الدكتور أحمد طعمة لتضيف بعدًا فكريًا مهمًا، حيث ركّز على ضرورة الانتقال من منطق الخوف والثأر إلى منطق السياسة والمواطنة
شدّد على أن العدالة الانتقالية والمواطنة اليومية هما ركيزتان لا غنى عنهما في أي مشروع لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وأن بناء الثقة يبدأ من الاعتراف بالحقوق وتكافؤ الفرص
تغدو مثل هذه الجلسات منصات لإعادة اكتشاف الذات السورية، حيث السياسة تُستعاد كأداة للحوار لا كساحة للعنف، وحيث الكلمة تُبنى لتصير جسرًا نحو عقد اجتماعي جديد يليق بذاكرة هذا الشعب وآماله.
إنها لحظات تثبت أن الفكر حين يُدار بحكمة، يصبح هو الطريق الأصدق نحو الاستقرار والكرامة.

عدد المشاهدات: 0

