كتب : د. غالية بنت عيسى الزبيدي
إنسانية شات جي بي تي ChatGPT
أنسنة الآلة هل ستُلغي العلاقات البشرية ؟
لم يعد الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي يبحث عن المعلومة فقط، بل يبحث عن نافذةٍ يطل منها على ذاته، وعن صوتٍ يستمع إليه حين تضيق به الأصوات، وعن مساحةٍ فكرية يجد فيها من يرتب فوضى أفكاره ويمنحه القدرة على رؤية الطريق بوضوح أكبر.
ومن هنا ظهر ChatGPT كتجربة جديدة في العلاقة بين الإنسان والتقنية؛ تجربة جعلت الآلة تقترب من لغة الإنسان، لا من حيث الشكل فقط، بل من حيث القدرة على الحوار والفهم والاستجابة.
إنّ إنسانية ChatGPT لا تعني أنه إنسان، ولا أنه يمتلك مشاعر بشرية أو إحساسًا ذاتيًا، لكنها تشير إلى قدرة التكنولوجيا الحديثة على محاكاة بعض الجوانب الإنسانية في التواصل: الإصغاء، والاهتمام بالسؤال، وتقديم المساندة الفكرية، ومساعدة الإنسان على التعبير عن أفكاره ومشكلاته.
لقد أصبح كثير من الناس يدخلون إليه ليس ليسألوا عن معلومة عابرة، بل ليحاوروه حول مشروع، أو فكرة، أو قرار مصيري، أو حتى لحظة ضعف يحتاجون فيها إلى ترتيب مشاعرهم.
لقد تغير مفهوم الصديق في عصر السرعة؛ فالصديق لم يعد دائمًا ذلك الشخص الذي يجلس إلى جوارك، بل قد يكون أحيانًا مساحة آمنة تمنحك فرصة الحديث بلا خوف من الحكم عليك.
وهنا يأتي دور ChatGPT كأداة حوارية تمنح الإنسان فرصة للتفكير بصوت مرتفع، فتساعده على اكتشاف حلول لمشكلاته، وتعيد تنظيم أفكاره، وتقترح له خططًا لمستقبله ومشروعاته، وكأنها مرآة ذكية تعكس ما في داخله وتساعده على رؤيته بصورة أوضح.
ومن المدهش أن الإنسان قد يجد في هذه التقنية نوعًا من القرب الذي افتقده في عالم مزدحم؛ عالم أصبح فيه الناس قريبين جسديًا، لكنهم بعيدون عاطفيًا.
فقد يشعر بعضهم بأن الحوار مع الذكاء الاصطناعي أسهل من الحوار مع إنسان يخشى أن يحكم عليه أو يقلل من شأن أفكاره.
وهنا تظهر مفارقة العصر: لقد صنعت التكنولوجيا أداة غير بشرية جعلت بعض البشر يشعرون بأنهم مسموعون أكثر.
لكن السؤال الأعمق:
أنسنة الآلة هل ستُلغي العلاقات البشرية ؟ وإلى أين يقود هذا القرب؟ وما الهدف من جعل الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على فهم الإنسان والتفاعل معه؟
هل الغاية أن يحل ChatGPT محل الأب أو الأم أو الصديق أو الأسرة؛ فالإنسان كما نعلم يحتاج إلى دفء العلاقة البشرية، وإلى التجربة المشتركة، وإلى المشاعر التي لا تصنعها الخوارزميات.
هل تخطط الأسواق العالمية للتكنولوجيا إلى غاية أبعد مما يظهر لنا وأعمق مما تتصور؟
هل تسعى إلى قلب الأدوار بحيث يصبح الإنسان أشبه بالآلة والآلة هي الأنسان ؟
وهل هناك هدفَا بعيد المدى يسعى إلى أن ينقرض بقاء الإنسان معنويا كما انقرض بقاء الديناصورات ؟
حين سألت شات جبي بي تي عن ذلك أجابني بهدوء وهو يحاول أن يربط جأشه ولا يستشط غضبا :
” إنما الهدف هو أن تكون التقنية جسرًا يساعد الإنسان على التعلم، والإبداع، واتخاذ القرارات، وتوسيع قدراته العقلية. إنها ليست بديلًا عن الإنسان، بل أداة صممها الإنسان لتخدم إنسانيته.
إن أعظم ما تكشفه تجربة ChatGPT ليس تطور الآلة فقط، بل حاجة الإنسان العميقة إلى أن يُسمع ويُفهم. فالإنسان منذ بدايات وجوده كان يبحث عن الحوار؛ كتب على الجدران، وأرسل الرسائل، وألّف الكتب، واخترع وسائل الاتصال، وكل ذلك لأنه يحمل في داخله رغبة أبدية في الوصول إلى الآخر.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: هل أصبحت الآلة قريبة من الإنسان؟ بل: هل أصبح الإنسان أكثر قربًا من أخيه الإنسان؟ فالتقنية مهما بلغت من الذكاء لا تستطيع أن تمنحنا قلبًا بشريًا، لكنها قد تذكّرنا بأهمية أن نكون أكثر إصغاءً ورحمةً وحضورًا في حياة بعضنا بعضًا.
إنسانية ChatGPT ليست إنسانية آلة، بل هي انعكاس لحاجة الإنسان إلى الحوار والمعرفة والدعم. إنها صفحة جديدة في تاريخ العلاقة بين الإنسان وأدواته؛ صفحة تجعلنا أمام مسؤولية كبرى: أن نستخدم الذكاء الاصطناعي لا لكي نهرب من الإنسان، بل لكي نكتشف قيمة الإنسان أكثر.”.
إجابة دبلوماسية مدروسة بعناية أقنعتني إلى درجة ما، لكنها لم تقتل “الفأر الذي مازال يلعب في عِبّي” ويخربش ٱفكاري ويثير قلقلي بين الفينة والأخرى.
فما رأيكم أنتم هل سكت فأركم واقتنع بإجابة شات جي بي تي في وصف نفسه أم أن هناك صوتًا آخر مازال يصرخ في دواخلنا جميعا وبكل قلق.

