كتب : حسيبة صالح -سوريا
«حين تتقدم المياه إلى المنصات العالمية… صوت سوريّ ينهض من دبي»
ينطلق الدكتور المهندس صفوان الحلبي، الباحث السوري المقيم في دبي، ليقدّم رؤيته في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات
البيئية وتضيق فيه فسحات الأمل، حيث تبرز المياه
كقضية تتجاوز حدود العلم لتلامس جوهر الحياة نفسها. وفي هذا السياق، يصبح وصوله إلى منصة تُلقّب بـ«نوبل
المياه» ليس حدثًا فرديًا، بل علامة فارقة على قدرة
المنطقة العربية على إنتاج معرفة ذات أثر عالمي. إنها لحظة تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع مسؤولية
علمية واسعة، وتتحول فيها رحلة البحث إلى رسالة تتجاوز
صاحبها لتخاطب الإنسان والمجتمع وصانع القرار.

وفي حديثه لصحيفة عرب نيوز اللندنية، يؤكد الحلبي أن هذا الوصول ليس تكريمًا بقدر ما هو التزام جديد تجاه
المستقبل. ومن دبي، المدينة التي صاغت جزءًا مهمًا من تجربته البحثية، ينطلق ليعيد رسم علاقة المنطقة العربية
بالعلم والابتكار، وليضع المياه في قلب النقاش العالمي
بوصفها محورًا تتقاطع عنده التنمية والأمن والطاقة والغذاء والمصير الإنساني. هناك، في مدينة تتسارع فيها
الأفكار كما تتسارع نبضات الحياة، تتبلور قناعته بأن العلم
حين يخرج من حدود المختبر يصبح مسؤولية تتجاوز حدود الجغرافيا.
يرى الحلبي أن الوصول إلى منصة عالمية مثل جائزة ستوكهولم للمياه هو انتقال من حدود الجغرافيا إلى
فضاء دولي من الحوار والتقييم. ويؤكد أن الاعتراف العالمي لم يكن لحظة واحدة، بل تراكم سنوات من البحث
والكتابة والتعليم والتوعية، سنوات بدأت فيها أفكاره حول المياه والاستدامة تجد طريقها إلى الإعلام
والمؤسسات وصنّاع القرار، لتثبت أن للبحث العلمي قدرة على صناعة أثر يتجاوز صاحبه.
ويعتبر أن هذا الترشيح رسالة بأن العالم العربي يمتلك طاقات علمية قادرة على الإسهام في القضايا الكبرى،
وأن المنطقة ليست فقيرة بالعقول، بل غنية بتجارب واقعية تجعلها مختبرًا طبيعيًا للحلول المائية، خصوصًا في
مواجهة الجفاف وارتفاع الطلب وندرة الموارد. ويؤمن بأن توفير بيئة تجمع بين التمويل والمختبرات والجامعات
والشراكات الدولية يمكن أن يجعل المنطقة منتِجة للحلول العالمية لا مستهلكة لها.
ويتوقف الحلبي عند دبي بوصفها بيئة دفعت تجربته إلى التفكير بطريقة مختلفة. فسرعة الانتقال من الفكرة إلى
التطبيق، والانفتاح على التكنولوجيا، والتنوع الثقافي، والطموح الواضح نحو الاستدامة جعلته يرى قضايا المياه كتحديات حقيقية تحتاج إلى حلول قابلة للتطبيق، لا مجرد موضوعات أكاديمية.
ويشير إلى أن التحدي الأخطر في الأمن المائي اليوم هو مزيج بين ندرة الموارد وسوء الإدارة، وأن الهدر وضعف
الكفاءة وتأخر الاستثمار في التقنيات الحديثة كلها عوامل تضاعف الضغط على الموارد. لذلك يدعو إلى إعادة
التفكير في إدارة كل قطرة، لا الاكتفاء بالبحث عن مصادر جديدة.
ويربط الحلبي بين تغيّر المناخ وتفاقم شح المياه، معتبرًا أن ارتفاع درجات الحرارة وتغيّر أنماط الأمطار وموجات
الجفاف تؤثر مباشرة في توفر المياه وجودتها. ويرى أن الحل الواقعي يبدأ من التكيف الذكي: تحسين الكفاءة،
إعادة الاستخدام، تطوير التحلية بطاقة أقل، تعزيز الحصاد المائي، وحماية النظم البيئية التي تحفظ دورة المياه.
ويؤكد أن الموارد غير التقليدية ستكون جزءًا أساسيًا من مستقبل الأمن المائي، وأن التحلية وإعادة الاستخدام
والحصاد المائي يجب أن تعمل ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى بناء اقتصاد مائي أكثر كفاءة واستدامة.
ويرى أن فقدان التنوع الحيوي ينعكس مباشرة على المياه، فالنظم البيئية السليمة تخزن المياه وتنقيها
وتنظم دورتها الطبيعية. لذلك فإن حماية الغابات والأراضي الرطبة والأنظمة الساحلية ليست قضية بيئية فقط، بل جزء من حماية الأمن المائي نفسه.
ويكشف أن نقطة التحول في مسيرته كانت حين أدرك أن قيمة البحث لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بقدرته على
الوصول إلى الإنسان والمجتمع وصانع القرار. ومن هنا بدأ يركز على الربط بين البحث والتوعية والتعليم والتطبيق، ليصبح للمعرفة أثر عملي في حياة الناس.
ويعتبر أن التقنيات النظيفة يمكن أن تغيّر مستقبل إدارة المياه، خصوصًا حين ترتبط بالطاقة المتجددة والذكاء
الاصطناعي وإنترنت الأشياء. فالتكنولوجيا قادرة على اكتشاف التسرب، تحسين الاستهلاك، مراقبة الجودة،
إدارة الشبكات، والتنبؤ بالمخاطر، لكنها تحتاج إلى رؤية متكاملة كي تتحول إلى أثر.
ويشير إلى أن الفجوة بين المختبر والسوق تبقى أحد أكبر التحديات، إذ تتوقف كثير من الأفكار الممتازة عند مرحلة
البحث بسبب نقص التمويل أو غياب الشراكات أو صعوبة تحويل النموذج العلمي إلى منتج قابل للتطبيق. لذلك
يدعو إلى بناء جسور حقيقية بين الجامعات ومراكز البحث والحكومات والقطاع الخاص.
ويرى أن الترشيح مسؤولية للاستمرار في العمل، ومسؤولية لتشجيع الشباب العربي على الإيمان بأن
أفكارهم يمكن أن تصل إلى المنصات العالمية. ويؤكد أن إعادة تشكيل الوعي المجتمعي تجاه المياه تبدأ من
الطفل، الذي يجب أن يعرف أن المياه ليست خدمة، بل موردًا استراتيجيًا مرتبطًا بالأمن والغذاء والطاقة والاقتصاد.
ويختصر رسالة الباحث اليوم بأنها تحويل المعرفة إلى حلول، لأن العالم يواجه تحديات متشابكة: المناخ، الغذاء،
المياه، الطاقة، والتدهور البيئي. لذلك نحتاج إلى باحث يرى الصورة الكاملة ويتعاون مع الآخرين.
أما مستقبل المياه خلال العقدين القادمين، فيراه قائمًا على الإدارة الذكية، تنويع المصادر، إعادة الاستخدام،
التحلية، والتكنولوجيا. ويؤكد أن أمام العالم سيناريوان: إما الاستثمار اليوم في الحلول، أو انتظار تحوّل الندرة إلى أزمة أكثر تكلفة وتعقيدًا.
ويشدد على أن تجاوز أزمة المياه دون تعاون دولي حقيقي أمر شبه مستحيل، لأن المياه لا تعترف بالحدود السياسية
، ولأن الأحواض المائية مشتركة بين الدول. لذلك يجب أن يقوم التعاون على العلم وتبادل البيانات والخبرات والتكنولوجيا.
ويختم بأن الشباب العربي يحتاج إلى المعرفة والفرصة والثقة ليكون جزءًا من الحلول العالمية، وأن الحل الذي
يحتاجه العالم قد يكون في فكرة شاب عربي لم يحصل بعد على الفرصة المناسبة .
المياه ليست قضية مؤجلة، بل قضية اليوم، وكل قطرة نحافظ عليها هي استثمار في مستقبل الإنسان. ويؤمن
الدكتور المهندس صفوان الحلبي بأن الباحث العربي قادر على أن يكون جزءًا من صناعة هذا المستقبل، وأن دبي
يمكن أن تكون منصة ينطلق منها العلم العربي نحو العالم، حين تتحول المعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى أثر.


