كتب : حسيبة صالح -سوريا
دمشق تفتح أبوابها للعالم: أسبوع الفن السوري بين الخرسانة والهوية
تنبثق دمشق من صمتها لتفعل فعلتها الثقافية الكبرى: تحت سقوف خرسانية عارية وأعمدة مفتوحة على الهواء، يتحول مبنى “وردة مسار” المهجور إلى مسرح نابض بالحياة، يحتضن النسخة الأولى من “أسبوع الفن في سوريا” بين 11 و18 أيلول/سبتمبر. هنا، لا يُعرض الفن كسلعة، بل يُستدعى كقوة قادرة على إعادة إحياء فضاءات معلّقة، وعلى اختبار قدرة اللون والصوت والصورة في مواجهة قسوة الإسمنت.
جسور بين الداخل والعالم
اختارت القيّمة والمديرة الثقافية لين قوتلي أن يكون الانحياز لفناني الداخل هو محور الدورة الأولى. هؤلاء الذين عاشوا عزلة الحرب وضيق الموارد، وجدوا في هذا الأسبوع نافذة للتواصل مع جمهور واسع وضيوف من المشهد الثقافي العالمي. بين أسماء راسخة وتجارب شبابية غضة، بدا المعرض كجسر يربط الأجيال، ويمنح الطاقات الجديدة سببًا للبقاء والتجذر بدلًا من الهجرة.
حضور رسمي ومبادرات مستقلة
افتُتحت الفعالية بحضور حكومي وسفراء وشخصيات عامة، في مشهد يعكس التوتر القائم بين المبادرات المستقلة والمؤسسة الرسمية. ففي حين تحاول السلطة تأطير هذه الفعاليات ضمن خطاب “التعافي”، يسعى الفنانون والقيّمون إلى انتزاع مساحات حرّة للتعبير، وبناء شبكات تضامن فنية تتجاوز حدود الوصاية.
الفنون تتقاطع
لم يكن أسبوع الفن مجرد معرض بصري؛ بل مهرجان متعدد الوسائط جمع بين الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي والفن الرقمي، إلى جانب عروض سينمائية ناقشت الهوية والتحولات العمرانية، وموسيقى حيّة كسرت صمت الخرسانة. من “كورال حنين” الذي استعاد الذاكرة الغنائية، إلى “فرقة جدل” التي مزجت الآلات الشرقية والغربية، بدا المبنى غير المكتمل وكأنه يتحول إلى آلة موسيقية ضخمة تتردد أصداؤها في فضاء المدينة.
أسئلة الأثر
يبقى السؤال معلقًا: هل تكفي هذه الفعاليات الموسمية لترميم الفضاءات المعلقة؟ فالمبنى يعود بعد أسبوع إلى حالته كهيكل غير مكتمل. لكن التجربة برهنت على إمكانية خلق نموذج يجمع بين المبادرات المستقلة والتمويل الخاص والحضور الرسمي، شرط أن يتحول إلى بنية مؤسسية قادرة على الاستمرار.
بين صلابة الإسمنت وطراوة الألوان، كشف “أسبوع الفن في سوريا” أن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة إعادة بناء العمران، بل معركة استعادة الفضاء العام وتمكين الإنسان من رواية قصته. في قلب دمشق القديمة، حيث أضيفت الروح الجميلة إلى المكان، بدا وكأن الخرسانة نفسها تتنفس، لتعلن أن الفن قادر على إشعال ربيع ثقافي، ولو كان مؤقتًا، في مدينة تبحث عن حياة جديدة.

