كتب : دينا كمال
حين لا يكفي الوصول
نقضي سنوات ونحن نطارد حلمًا واحدًا، حتى يبدو لنا أن الوصول إليه سيغيّر حياتنا بالكامل. نخطط له، ونتعب من أجله، ونتخيل اللحظة التي نقف فيها أمامه ونقول: «لقد وصلت».
وعندما تأتي تلك اللحظة، نشعر فعلًا أننا نملك الدنيا. يصبح التعب الذي سبقها أقل قسوة، ويبدو الانتظار مستحقًا، وكأن كل خطوة صعبة مررنا بها كانت تقودنا إلى هذه اللحظة تحديدًا.
لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟
يختلف الناس كثيرًا بعد الوصول. هناك من يقول: «لقد تعبت بما يكفي، هذا كل ما أريده»، فيكتفي بما حققه ويبدأ في الاستمتاع بما وصل إليه. وهناك من ينظر إلى الخلف، ويتساءل: ماذا لو اخترت طريقًا آخر؟ ماذا لو فعلت شيئًا مختلفًا؟ وربما يقضي سنوات أسيرًا لـ«ماذا لو».
وهناك نوع آخر؛ يصل، يفرح بما حققه، ويشكر الله عليه، ثم يسأل نفسه بهدوء: ماذا يمكنني أن أفعل الآن لأصل إلى أبعد؟
هذا الشخص لا يرى نجاحه نهاية الطريق، ولا يعتبر طموحه اعتراضًا على ما حصل عليه. هو يعرف أن الرضا بما حققه لا يتعارض مع الرغبة في التطور.
فالإنسان الطموح لا ينتهي طموحه بمجرد وصوله. أحيانًا يكون الهدف الأول مجرد باب لم يكن يعرف أنه موجود. يصل إلى مكان كان يظنه نهاية أحلامه، ثم يكتشف أن هناك أبوابًا أخرى لم يرها من قبل.
وربما لهذا السبب نضع لأنفسنا أحيانًا أهدافًا أصغر مما نستطيع تحقيقه. ليس لأننا لا نملك أحلامًا أكبر، وإنما لأننا نحتاج أولًا إلى دليل يثبت لنا أننا قادرون.
نصل إلى الهدف الأول، نفرح، ونشعر للحظة أننا «ملكنا الدنيا». ثم تهدأ الفرحة قليلًا، فنكتشف أن قدرتنا أكبر مما كنا نعتقد، وأن الحلم الذي كنا نخاف حتى من تخيله أصبح الآن ممكنًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الطموح إلى مطاردة لا تتوقف.
إذا وصل الإنسان إلى كل هدف، ثم رفض أن يفرح به لأنه منشغل بالهدف التالي، فقد يتحول النجاح نفسه إلى مصدر إرهاق. سيظل دائمًا ينتظر شيئًا آخر حتى يسمح لنفسه بالسعادة، وقد يكتشف بعد سنوات أنه أمضى حياته كلها في انتظار لحظة لم يعشها.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: «ماذا بعد الوصول؟»، بل: «هل عرفت كيف أعيش لحظة الوصول؟».
من حق الإنسان أن يفرح بما حققه. أن ينظر إلى الطريق الذي قطعه، ويتذكر الأيام التي ظن فيها أنه لن يصل، ثم يقول لنفسه: لقد فعلتها.
وبعد أن يفرح، يمكنه أن يبدأ من جديد.
فالحلم لا يجب أن يموت عندما يتحقق. يمكن أن يتحول إلى بداية لحلم آخر، أكبر وأكثر نضجًا، لكن من دون أن يفقد الإنسان قدرته على تقدير ما بين يديه.
ربما تكون الحياة أجمل عندما نتوقف عن اعتبار كل محطة نهاية. فبعض النهايات ليست إلا أماكن نلتقط فيها أنفاسنا، ننظر حولنا، نكتشف كم قطعنا من الطريق، ثم نقرر إلى أين نريد أن نذهب بعد ذلك.
وفي النهاية، قد لا يكون النجاح الحقيقي في أن تصل إلى آخر أحلامك، لأن الإنسان ربما لا يملك حلمًا أخيرًا .
ربما النجاح هو أن تصل، وتفرح، وتشكر، ثم تكتشف أن الطريق ما زال مفتوحًا أمامك.
وهناك، يبدأ السؤال الأجمل: ماذا يمكنني أن أصبح بعد كل ما أصبحت عليه؟

