كتب : د. سيما حقيقي
ما بعد اللحظة
بقلم: د. سيما حقيقي
أحيانًا، تكون الدهشة في المسافة الخفية بين الأشياء. في أن يحدث أمر هنا، ويتحرك شيء هناك، ثم يلتقي الاثنان في لحظة لم يكن بينهما ما يعد بهذا اللقاء.
كل شيء، إذا نظرنا إليه منفردًا، يبدو عاديًا. الوقت عادي، والمكان عادي، وما حدث يمكن أن يحدث في أي يوم.
ومع ذلك، حين تجتمع التفاصيل بطريقة معينة، يتسلل إلينا ذلك الشعور الغريب بأن اللحظة تعرف عنا شيئًا لم نقله لها.
كأن الحياة، وسط اتساع احتمالاتها، أصابت نقطة صغيرة جدًا في داخلنا.
فالأشياء التي تمر بمحاذاة حياتنا كثيرة، وأكثرها يعبر دون أن يترك وراءه سؤالًا. لكن بعضها يصل في توقيت بالغ الدقة، فيوقظ معنى كان ساكنًا في مكان ما داخلنا.
نفكر في شخص، ثم يظهر اسمه أمامنا بعد غياب. نحمل سؤالًا لا يعرفه أحد، فنصادف عبارة تكاد تجيبه. نغيّر طريقًا، أو نتأخر عن موعد، فيحدث لقاء ما كان ليحدث لو مضى اليوم كما رتبناه.
كل شيء قابل لأن يكون عاديًا، لكن اجتماع الأشياء هو ما يجعل العادي مربكًا.
عندها تظهر كلمة نحاول غالبًا أن نضع بها حدًا لدهشتنا: مصادفة.
نقولها كأنها تفسر ما حدث، ثم نكتشف أنها في بعض الأحيان ليست نهاية السؤال… وإنما بدايته.
فبعض المصادفات يعبر وينتهي، وبعضها يترك أثرًا لا يتناسب مع بساطة ما حدث، كأن ما أربكنا لم يكن الحدث وحده،
وإنما ذلك الالتقاء الدقيق بين شيء وقع أمامنا، وشيء آخر كان حاضرًا في داخلنا.
أمام ذلك التوقيت المربك، يتراجع اليقين خطوة صغيرة… ويبدأ السؤال.
هل هي أحداث متفرقة منحها توقيتها شيئًا من الدهشة؟ أم أن العقل التقط بينها خيطًا لم يكن موجودًا إلا في الطريقة التي رآها بها؟ أم أن بعض ما يحدث يظل عصيًا على أن نضعه كاملًا في خانة المصادفة؟
لهذا لا نعبر بعض اللحظات بسهولة. نعود إليها، ونبحث عن تلك المسافة الغامضة بين ما حدث فعلًا… وما شعرنا أنه يعنيه.
وهذه المسافة تحديدًا هي الأكثر إثارة. فالمصادفة في ظاهرها حدث، وحين تمس شيئًا في داخلنا تتحول إلى سؤال عن المعنى.
ولم يكن هذا السؤال عابرًا في تاريخ الإنسان. فقد ظل حاضرًا كلما التقت أحداث لا تجمع بينها أسباب واضحة، ومع ذلك بدا اجتماعها في لحظة واحدة محمّلًا بمعنى يصعب تجاهله.
وكان عالم النفس السويسري كارل يونغ من أكثر من توقفوا أمام هذا السؤال.
تأمل تلك المصادفات التي لا تجمع بينها علاقة سببية واضحة، ومع ذلك يبدو اجتماعها ذا معنى بالغ الخصوصية لمن يعيشها، وأطلق عليها اسم التزامن – Synchronicity.
وتختلف الطريقة التي نقرأ بها هذه المصادفات؛ فقد يراها البعض جزءًا من قدر مكتوب، ويبحث آخرون عن تفسيرها في النفس والعقل،
فيما يكتفي آخرون بالوقوف أمامها بدهشة لا تحتاج إلى جواب نهائي.
ويبقى السؤال: هل المصادفة تحمل معناها معها… أم أننا نحن الذين نمنحها المعنى حين تلتقي بشيء كان ينتظرها في داخلنا؟
فالعقل لا يقف أمام العالم متلقيًا محايدًا لكل ما يحدث. إنه ينتقي، ويربط، ويتذكر، ويمنح بعض التفاصيل ضوءًا لا يمنحه لغيرها. نحن نرى بأعيننا، لكننا ننتبه بما نحمله في داخلنا.
قد نفكر في شخص عشرات المرات ولا يتصل، فتمضي تلك المرات دون أثر. ثم نفكر فيه ذات مساء، وبعد دقائق تصل رسالته، فتتوقف الذاكرة عند تلك اللحظة وتحفظها.
العقل يبحث عن الأنماط، والذاكرة تحتفظ بما يدهشنا أكثر مما تحتفظ بمئات المرات التي لم يحدث فيها شيء.
لكن هذا يفسر كيف لاحظنا المصادفة، ولا يجيب عن سؤال آخر: لماذا عنت لنا شيئًا؟
فقد يسمع شخصان العبارة نفسها؛ ينساها أحدهما، ويحملها الآخر سنوات. فالحدث وحده لا يصنع الأثر. هناك أيضًا الإنسان الذي يستقبله، واللحظة التي وصل فيها إليه.
ندخل إلى كل تجربة ومعنا تاريخ كامل لا يراه أحد: ما عشناه، وما فقدناه، وما نتمناه، وما نخافه، والأسئلة التي بقيت بلا جواب.
لهذا قد تأتي عبارة عادية في لحظة معينة فتهزنا، مع أننا لو قرأناها في وقت آخر لمررنا عليها دون اكتراث.
فبعض المصادفات لا تستمد قوتها من غرابة ما حدث، وإنما من اللحظة التي وصلت فيها إلينا، وما كانت تلامسه في داخلنا.
وهنا فارق مهم: أن يمنحنا حدث ما معنى خاصًا، وأن نعتقد أن هذا الحدث وقع خصيصًا ليحمل إلينا ذلك المعنى.
قد يغير لقاء عابر حياتنا، وقد تأتي جملة في اللحظة التي نحتاجها، من دون أن نعرف إن كانت قد وضعت في طريقنا، أم أننا كنا للمرة الأولى مستعدين لسماعها.
وقد تكون المصادفة عادية في سبب حدوثها، وعميقة جدًا في أثرها.
فقيمة المصادفة لا تحتاج دائمًا إلى إثبات أنها رسالة من الخارج. يكفي أحيانًا أنها كشفت شيئًا في الداخل.
فالعبارة التي هزتنا قد تكشف سؤالًا كان ينتظر اسمه، والشخص الذي غير حضوره اتجاهًا في حياتنا قد يكشف جزءًا منا لم نكن نعرفه قبل لقائه. وهكذا تتحول المصادفة من لغز نحاول معرفة مصدره، إلى مرآة نرى فيها شيئًا من ذواتنا.
لكن للمعنى إغراءه أيضًا. فحين نفرط في البحث عن الإشارات، قد نبدأ في رؤية ما نريد أن نراه؛ نمنح كل تكرار رسالة، وكل لقاء قدرًا،
وكل مصادفة وعدًا. وقد نفعل العكس تمامًا، فنغلق كل سؤال بكلمة «مصادفة»، ونمضي دون أن نتأمل ما كشفه الحدث فينا.
ولعل الحكمة تكمن في المسافة بين الاثنين: أن نحتفظ بدهشتنا دون أن نتخلى عن عقلنا، وأن نمنح بعض الأحداث حقها في التأمل دون أن نحملها ما لم تقله.
فالسؤال ليس دائمًا: هل أرسلت الحياة إلي هذه الإشارة؟
قد يكون السؤال الأصدق: ما الذي جعلني أراها إشارة؟
ويبقى ذلك الحد الذي يصعب حسمه بين أن نكتشف المعنى… وأن نصنعه.
وقد لا نعرف أبدًا إن كانت بعض الأشياء قد جاءت إلينا لسبب، أم أننا وجدنا السبب بعد أن جاءت. لكن بعض اللحظات، مهما بدت صغيرة، تطرق مكانًا بالغ الخصوصية فينا؛ مكانًا لم نكن نعرف أنه موجود حتى طرقته.
وتبقى لحظات قليلة نشعر أمامها أن التفسير، مهما بدا مقنعًا، لم يقل كل شيء. تأتي بتفصيل صغير ثم تمضي، ويعود اليوم عاديًا كما كان. وحدها تلك اللحظة تظل عالقة في مكان ما من الذاكرة، وقد تمر سنوات قبل أن نفهم لماذا.
فقد تضي المصادفة في لحظتها… ثم تنسج أمامنا طريقًا، يكشف مع كل خطوة معنى أعمق.
وتنتهي لحظةٌ في الزمن… ثم تبدأ فينا، لتفتح بابًا لم نكن نعرف أنه ينتظرنا.

