كتب : د. سهير بنت سند المهندي
مَن يدفع ثمن الملعب؟
في صالة المطار، لا يسأل الطفل عن توازنات القوى؛ يسأل متى يعود إلى بيته. وفي المصنع، لا ينتظر العامل بياناً سياسياً؛ ينتظر راتبه. وبين السؤالين تتمدد حروب يتبادل أصحابها رسائل القوة، بينما يتلقى الناس فواتيرها. فإلى متى يبقى العالم ملعباً، وتبقى حياة الآخرين الكرة التي تتقاذفها المصالح؟
الاعتداءات الحوثية على المطارات السعودية تكشف هذا الاختلال بوحشية. فقد أعلنت هيئة الطيران المدني ثلاث وفيات وستاً وثلاثين إصابة في اعتداءات أبها والملك خالد يومَي السادس والسابع من أكتوبر، ثم توالت الاعتداءات على مطار الرياض حتى الحادي عشر منه. هنا تُستهدف أرواح، وسيادة دولة، وثقة المسافر بأن الطريق إلى وجهته لن يتحول إلى جبهة.
وللسعودية، أرض الحرمين الشريفين، مكانتها في وجدان المسلمين؛ لكن الدفاع عن أمنها يتصل أيضاً بحق كل إنسان في السلامة. استهداف المطارات المدنية لا يصبح مشروعاً بتغيير اسم الصاروخ أو الشعار المرفوع فوقه. وما يبدو ضربة محلية قد يتسع أثره عبر شبكة تربط الوقود بالطائرة، والطائرة بالمصنع، والمصنع بمعيشة الأسرة.
في قطاع البترول، قد يرفع الخوف من تعطل الإمدادات كلفة التأمين والنقل، ويزيد اضطراب الأسعار. لكن ارتفاع سعر البرميل لا يعني مكسباً صافياً للمنتجين؛ فقد تقابله خسائر تشغيلية وتعثر استثمارات وتراجع طلب. النفط يحتاج إلى ممرات آمنة، وإلى شركاء يثقون بأن العقود ستنفذ بعيداً عن حسابات الصواريخ.
وشركات التصنيع ليست خارج المشهد. فارتفاع كلفة الطاقة والشحن قد يضغط على الإنتاج، وتأخر مكوّن صغير قد يعطل خطاً كاملاً. أما شركات الطيران، فتواجه إلغاء الرحلات وتغيير المسارات وكلفة الوقود والتعويضات. وتتضرر صناعة الطائرات والصيانة إذا اضطرب تسليم المعدات وحركة الفنيين وقرارات الشراء. هكذا تصل الحرب إلى متجر بعيد، عبر سعر سلعة لم يسمع مشتريها بالمعركة.
وفي قراءة الأخبار، يبدو تتابع المواجهات كأن المنطقة لا تنهي حرباً إلا لتستقبل أخرى. لا توجد قاعدة تجعل الحرب موعداً سنوياً؛ الموجود تراكم نزاعات وتسويات ناقصة وردع متبادل قابل للانفلات. إيران وإسرائيل والولايات المتحدة والحوثيون أطراف متفاوتة في القوة والمسؤولية، لكن قرارات التصعيد بينها تتجاوز حدودها، وتترك دولاً أخرى أمام أخطار لم تخترها.
ارتباط الحوثيين بإيران يجعل دعمهم وتسليحهم جزءاً من المساءلة، دون أن يثبت تلقائياً صدور أمر إيراني بكل اعتداء. ويمكن قراءة تهديد المطارات بوصفه محاولة للابتزاز الاقتصادي وتوسيع الضغط الجوي والبحري. إنها استراتيجية محتملة للإنهاك، لا دليلاً على فشل الهجمات البحرية، ولا نبوءة بحرب حتمية.
لذلك، تحتاج السعودية وشركاؤها إلى حماية دفاعية متكاملة، وتبادل معلومات، وخطط لاستمرار الطيران والطاقة والإنتاج. ويجب أن يواكبها توثيق الجرائم، وملاحقة التمويل والتسليح، وتحرك دبلوماسي عاجل، وتفعيل الاتفاقيات وفق التزاماتها، ومساءلة المعتدين مع حماية المدنيين في كل مكان.
إلى متى؟ إلى أن تصبح كلفة إشعال الحروب على صانعيها أعلى من كلفة احتوائها، وإلى أن تقاس السياسة بما تحفظه من حياة، لا بما تستعرضه من نار. فالأمن الدولي لا يُختبر في بيانات القمم وحدها، بل في قدرة الناس على مواصلة يومهم دون خوف. العالم ليس ملكاً للاعبين؛ فيه أطفال يريدون العودة، وعمال يريدون العمل، وشعوب تستحق صباحاً لا يبدأ بخبر صاروخ.
اعلامية وباحثة اكاديمية
