كتب : حسيبة صالح -سوريا
«تحتفي دمشق بالفلامنكو… ليلة إسبانية تنبض على خشبة الأوبرا»
تحتفي دمشق بالفلامنكو، وتفتح أبواب دار الأوبرا في مساء الاثنين 12 تشرين الأول 2026 على أمسية حملت روحاً دولية واضحة، جمعت بين العيد الوطني الإسباني وبين أكثر من ألف عام من الصداقة السورية–الإسبانية.
كانت الأمسية حدثاً فنياً وثقافياً يتجاوز حدود العرض، ويعيد رسم الجسر الطويل الذي ربط حضارتين عبر الموسيقى والرقص والذاكرة المشتركة.
الأمسية: حين يلتقي الفلامنكو بروح الشرق
على خشبة مسرح الأوبرا، امتزجت حرارة الفلامنكو الإسباني مع دفء الموسيقى السورية في عرض موسيقي راقص قدّم حالة فنية نادرة.
قدّمت الراقصة Anabel Veloso حضوراً مسرحياً متوهجاً، بينما حمل Gabriel Pérez جيتاره الفلامنكي ليقود الإيقاع ويمنح الأمسية عمودها الموسيقي الصلب.
رافقهما كلٌّ من Teté Leal على الفلوت، وJosé Luis Jaén بصوته الذي بدا كأنه يخرج من عمق الأندلس، قبل أن يكتمل المشهد بمشاركة سورية لافتة: دولاما شهاب على الترومبيت والسكسفون، سليمان شلبي على الجيتار، ومانو شلبي في الغناء، ليصبح المسرح مساحة مشتركة بين مدرستين موسيقيتين تتجاوران دون أن تتنافسا.
الجمهور: حضورٌ يكتب فصلاً جديداً من التفاعل الثقافي
لم يكن الجمهور مجرد متلقٍّ، بل كان جزءاً من العرض نفسه.
امتلأت القاعة قبل بدء الأمسية بوقت طويل، رغم أن البطاقات كانت مجانية ونفدت خلال ساعات من طرحها عبر شباك التذاكر.
جلس الحضور بترقّب، ثم ما لبث أن تحوّل إلى جمهور مشارك: يصفّق بإيقاع الفلامنكو، يتفاعل مع الجمل الموسيقية السورية، ويقف في لحظات الذروة ليحيّي هذا المزج الفني الذي بدا وكأنه يكتب لغة جديدة بين بلدين.
كان واضحاً أن الأمسية لم تكن مجرد احتفال رسمي، بل كانت احتفالاً شعبياً أيضاً، حيث شعر الجمهور بأن العرض يخصّه، وأنه جزء من هذه الصداقة الممتدة عبر الزمن.
في نهاية الأمسية، بدا المسرح كأنه يلتقط أنفاسه بعد رحلة طويلة عبر التاريخ والجغرافيا.
لم يكن الفلامنكو وحده هو الذي رقص، بل رقصت دمشق أيضاً، ورقصت الذاكرة المشتركة التي تربطها بإسبانيا منذ قرون.
خرج الجمهور من دار الأوبرا وهو يحمل شيئاً يشبه الضوء… ضوء أمسية قالت إن الفن قادر دائماً على أن يعيد ترتيب العلاقات، وأن يكتب ما تعجز السياسة عن قوله.
كانت ليلةً تُشبه وعداً صغيراً: أن الموسيقى، حين تُعزف بصدق، تستطيع أن تمشي بين بلدين دون أن تتعب.
