كتب : د. غالية بنت عيسى الزبيدي
“أنا حُر” ما بين الحُرية والفوضى مسافة يصنعها الوعي.
قراءة في مصطلح الحرية من منظور القرآن والشعر والفلسفة والفن.
د. غالية بنت عيسى الزبيدي.
الحرية ليست أن تفعل ما تشاء…
بل أن تختار ما يليق بإنسانيتك.
منذ أن أشرق الوعي الإنساني على هذه الأرض، ظل سؤال الحرية واحدًا من أكثر الأسئلة حضورًا في تاريخ الفكر؛ لأن الإنسان لم يكن يبحث فقط عن مساحة يتحرك فيها، بل كان يبحث عن معنى وجوده، وعن تلك القوة الداخلية التي تجعله قادرًا على الاختيار، وتحمل مسؤولية اختياره.
فالحرية ليست بابًا مفتوحًا بلا حدود، وليست انفلاتًا من كل قيد، وإنما هي وعيٌ عميق بالمسؤولية، وقدرة على التمييز بين ما ينبغي أن يُفعل وما يجب أن يُترك.
إن أكبر خطأ ارتكبه بعض الناس في فهم الحرية هو أنهم اختزلوها في عبارة:
“أنا حر”، وجعلوا منها ذريعة لكل تصرف، حتى أصبح بعضهم يرى في تجاوز القيم، والإساءة إلى الآخرين، ومخالفة الذوق العام، نوعًا من ممارسة الحرية، غير أن الحرية الحقيقية لا تكون في القدرة على فعل كل شيء، بل في القدرة على ضبط النفس، والارتقاء بها فوق نزواتها وشهواتها؛ لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحكم رغباته ليس حرًا، بل هو أسير لها.
الحرية في المنظور القرآني: تكريم الإنسان مسؤوليته.
قبل أن تعرف الفلسفات الحديثة مفهوم الحرية، جاء القرآن الكريم ليؤسس رؤية متكاملة للإنسان؛ رؤية تقوم على التكريم والاختيار والمسؤولية، فالقرآن لم يقدم الإنسان بوصفه كائنًا مسلوب الإرادة، بل منحه مكانة عظيمة، وجعل له القدرة على الاختيار، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
وهذه الآيات تؤسس لمبدأ عظيم: أن الإيمان نفسه لا يقوم على الإكراه؛ لأن القيمة الحقيقية للفعل الإنساني تأتي من الاختيار الواعي، فالإنسان في التصور القرآني ليس آلة تتحرك بأوامر خارجية، وإنما كائن مسؤول يمتلك الإرادة والعقل والضمير.
واللافت أن القرآن الكريم، وهو كتاب سماوي يقوم على منظومة من التشريعات والقوانين والأحكام، لم يرَ في النظام عدوًا للحرية، بل رأى أن النظام هو الذي يحفظ الحرية من التحول إلى فوضى، فالطريق له حدود حتى يصل الإنسان إلى غايته، والسفينة لها نظام حتى لا تغرق، والمجتمع له قوانين حتى لا يأكل القوي حق الضعيف.
إن الحرية في القرآن ليست تحررًا من القيم، بل تحررًا من العبودية لكل ما يسلب إنسانية الإنسان؛ تحررًا من الجهل، ومن الظلم، ومن الهوى، ومن استعباد البشر للبشر. ولذلك كانت الحرية في جوهرها قيمة مقدسة؛ لأنها متصلة بكرامة الإنسان التي كرمه الله بها.
الحرية بين الفلسفة والعقل الإنساني:
اختلف الفلاسفة في تعريف الحرية، لكنها بقيت عند كبار المفكرين مرتبطة بالوعي والمسؤولية.
فقد رأى الفيلسوف اليوناني “كانط” أن الإنسان لا يحقق كماله إلا داخل مجتمع تحكمه الفضيلة والقانون، لأن الحرية لا تنفصل عن الأخلاق.
أما فقد ربط الحرية بالعقد الاجتماعي، ورأى أن الإنسان لا يكون حرًا حين يعيش بلا قانون، بل حين يشارك في صناعة القانون الذي ينظم حياته.
و أكد أن الحرية الحقيقية ليست اتباع الرغبات، بل قدرة العقل على توجيه الإرادة وفق مبدأ أخلاقي، فالإنسان الحر عند “كانط” هو الذي لا يكون عبدًا لشهواته، بل سيدًا على نفسه.
وهذا المعنى يلتقي مع الرؤية القرآنية التي تجعل الإنسان مسؤولًا عن اختياراته، فليس كل اختيار حرية، وليس كل رغبة حقًا، وليس كل رفض للقيود تحررًا.
الحرية في الشعر العربي: صوت الكرامة والرفض.
كان الشعر العربي عبر عصوره صوت الإنسان الباحث عن الكرامة والانعتاق. فالحرية في الشعر لم تكن مجرد مفهوم سياسي، بل كانت حالة وجدانية وروحية، تعبر عن رفض الذل والانكسار.
وقد ارتبطت الحرية في الشعر العربي بمعاني العزة والإباء والثورة على الظلم. والشاعر العربي القديم كان يرى في الكرامة جوهر وجوده، وكان يرفض أن يعيش تابعًا أو خاضعًا، حين قال المتنبي:
“لا تسقني ماءَ الحياةِ بذلةٍ
بل فاسقني بالعزِّ كأسَ الحنظلِ”
فالشعراء لم يبحثوا عن حرية بلا ضوابط، وإنما عن حرية تحفظ للإنسان مقامه، وتصون روحه من الهوان.
وفي الشعر الحديث أصبحت الحرية أكثر حضورًا بوصفها قضية إنسانية كبرى؛ حرية الوطن، وحرية الفكر، وحرية الإنسان في مواجهة القهر والظلم.
الحرية في الفكر والفن: مسؤولية الإبداع.
لم يكن الفن الحقيقي يومًا فوضى، ولم يكن الإبداع خروجًا على كل قاعدة، بل كان دائمًا بحثًا عن نظام جمالي جديد. فالفنان العظيم لا يهدم القواعد لأنه يجهلها، بل يتجاوز المألوف لأنه يمتلك وعيًا عميقًا بالقواعد.
إن الحرية في الفكر والأدب والفن تعني أن يمتلك الإنسان القدرة على التعبير، وأن يفتح آفاق الأسئلة، وأن يبحث عن الحقيقة، لكنها لا تعني أن تتحول الحرية إلى اعتداء على الآخرين أو إسقاط لكل قيمة أخلاقية.
فالكلمة مسؤولية، والصورة مسؤولية، والفكرة مسؤولية؛ لأن الإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يعيش بين بشر لهم مشاعر وحقوق وكرامة.
حرية المرأة: اختيار واعٍ لا خروج عن القيم.
ومن أكثر المجالات التي أُسيء فيها فهم الحرية، مفهوم حرية المرأة.
فقد حاول البعض أن يختزل حرية المرأة في مظاهر خارجية، وكأن المرأة لا تصبح حرة إلا حين تتخلى عن كل قيمة أو تنفصل عن هويتها.
لكن الحرية الحقيقية للمرأة أعمق من ذلك بكثير، إنها أن تمتلك حق التعلم، وحق التفكير، وحق التعبير، وحق المشاركة، وحق اتخاذ قراراتها بوعي ومسؤولية. فالمرأة الحرة ليست التي ترفض كل إطار، وإنما التي تختار بإرادة واعية ما يناسبها، وتتحمل مسؤولية اختياراتها.
إن احترام عقل المرأة وكرامتها لا يعني تحويل الحرية إلى فوضى، كما أن التمسك بالقيم لا يعني إلغاء شخصيتها. فبين الحرية والانفلات مسافة واسعة لا يدركها إلا الإنسان الواعي.
الحرية في زمننا الحاضر: حين تتحول العبارة إلى ذريعة.
نعيش اليوم زمنًا أصبحت فيه كلمة “الحرية” تُستخدم أحيانًا لتبرير أفعال لا تمت إليها بصلة، فقد يرتكب الإنسان تصرفًا متهورًا، أو يؤذي غيره، أو يتجاوز حدود الاحترام، ثم يختصر كل ذلك بقوله: “أنا حر”.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل أنت حر في الفعل؟ بل: هل أنت مسؤول عن أثر هذا الفعل؟ وهل يحفظ كرامتك وكرامة الآخرين؟
فالحرية التي لا يرافقها وعي تتحول إلى فوضى، والحرية التي لا يحكمها ضمير تصبح عبئًا على صاحبها وعلى المجتمع.
إن الإنسان العظيم ليس هو الذي يستطيع أن يفعل كل ما يريد، بل هو الذي يعرف ما يريد، ولماذا يريده، وما النتائج التي قد تترتب على ما يريده.
في النهاية، تبقى الحرية واحدة من أجمل هبات الله للإنسان، لكنها ليست هدية بلا مسؤولية.
إنها جناح يحلق به الإنسان نحو الكمال، وليس ريحًا عاصفة تدفعه نحو الضياع. فالحرية الحقيقية ليست أن تكسر كل القيود، بل أن تتحرر من الجهل والهوى والأنانية؛ لأن أرقى درجات الحرية أن يمتلك الإنسان نفسه قبل أن يطلب امتلاك العالم.
فالحر هو من اختار الخير حين كان قادرًا على اختيار الشر، ومن التزم بالقيم حين كان قادرًا على تجاوزها، ومن أدرك أن الإنسان لا يُقاس بعدد الأبواب التي يفتحها، بل بقدرته على اختيار الطريق الذي يليق بإنسانيته.
شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب.

