كتب : حسيبة صالح -سوريا
«دمشق القديمة تحتضن ذاكرة تدمر: سارة شمّة تروي مسيرتها الفنية في لقاء دولي نظمته جمعية الصخرة»
أطلقت جمعية الصخرة نبضاً ثقافياً جديداً في قلب دمشق القديمة، حيث نظّمت لقاءً دولياً مع الفنانة التشكيلية السورية سارة شمّة، ضمن مشروع “مدفن تدمر البرجي” المعروض في الدورة الستين من بينالي البندقية الدولي، الممتد من 9 أيار حتى 22 تشرين الثاني 2026.
في المكان الذي تتجاور فيه الحجارة العتيقة مع رائحة الياسمين، اجتمع فنانون، باحثون، ووجوه دبلوماسية بارزة، يتقدّمهم القائم بأعمال سفارة المجر والقائم بأعمال السفارة الإيطالية، في حضور يؤكد أن الفن السوري ما زال قادراً على جمع العالم حول ذاكرته.
الجلسة أدارتها المحامية وعضو جمعية الصخرة نيهال السمان، التي افتتحت الحوار بالتأكيد على أن هذا المشروع ليس مجرد حدث فني، بل استعادة لجزء من الذاكرة السورية المنهوبة
سارة شمّة… من الطفولة إلى العالمية
قالت سارة:
«بدأت الرسم منذ كنت في الرابعة من عمري، وكان والداي يشجعانني دائماً، فلم يُعاقباني حين كنت أرسم على الجدران، بل اعتبرا ذلك بداية طريق. وعندما بلغت الرابعة عشرة، أيقنت أن مستقبلي لن ينفصل عن موهبتي وولعي بالرسم».
وأضافت:
«بدأت مسيرتي باستخدام اللونين الأسود والأبيض، ثم انتقلت إلى دراسة الضوء والظل، وأخيراً وجدت في الألوان الزيتية وسيلة للتواصل مع الفراغ والتعبير عمّا يدور خلف أصوات شخصياتي».
التحقت بـ معهد أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية وتخرجت منه عام 1995، ثم تابعت دراستها في كلية الفنون الجميلة – قسم التصوير الزيتي بدمشق، ونالت الدرجة الأولى فيه. بعد ذلك عادت لتدرّس في معهد أدهم إسماعيل بين عامي 1997 و2000، لتغرس ما تعلمته في جيل جديد من الفنانين.
من دمشق إلى العالم
قالت سارة:
«لكل بلد رائحة خاصة يمكن أن تُلهم الفنان… أقمت في لبنان ثلاث سنوات، ثم في لندن، لكن دمشق بقيت الحلم. كنت أخبّئ لوحة أو اثنتين كل عام، على أمل أن أعود لأعرضها في الشام».
وقد تحقق الحلم عام 2024 حين أقامت معرضاً في المتحف الوطني بدمشق، الذي وصفته بأنه «أكثر مكان يليق بذاكرة لوحاتها».
كما شاركت في معارض دولية مرموقة مثل معرض كيو في المدرسة الملكية للفنون بلندن (2013)، ومعرض المجتمع الملكي لرسامي البورتريه، ومعرض الفنون الشمالية في ألمانيا (2012)، وحصدت جوائز عالمية منها:
• جائزة ووترهاوس للرسم في أستراليا (2008).
• الجائزة الثانية في مسابقة الفنون والآداب بالولايات المتحدة (2009).
• جائزة القائمة القصيرة للفنون الشمالية في ألمانيا (2010).
• جائزة البورتريه العالمية من شركة البترول البريطانية (2004).
عن مشروع تدمر البرجي
قالت سارة:
«هذا المدفن البرجي ليس حجراً فحسب، بل هو تاريخ كامل. كثيرون في العالم لا يعرفون شيئاً عن سوريا، وهذا المشروع نافذة تُعرّفهم على حضارتها. كان من أهم أربعة أعمال في بينالي البندقية، وقد أثّر في الحضور حتى أن بعضهم خرج باكياً من شدّة التأثر».
وأضافت:
«أحلم أن يُنقل هذا المشروع إلى دمشق ليشاهده الناس هنا، وأن يعود جزء من المنحوتات التي سُرقت. هذا حلم شخصي، لكنه أيضاً دعوة لإعادة الاعتبار لتراثنا الوطني».
مداخلات الحضور وإجابات سارة
• عن المدفن التدمري: أشار الحضور إلى أنه النمط الوحيد الموجود في سوريا، وأن إعادة تقديمه للعالم تحمل قيمة استثنائية.
• عن اللوحة: سأل أحدهم إن كانت تعبر عن ذاتها أم عن المكان الذي تحلم بالذهاب إليه، فأجابت:
«اللوحة اكتشاف للذات والمحيط، وهي انعكاس لحلم داخلي بقدر ما هي انعكاس لمكان».
• عن الرسائل للفنانين التشكيليين: قالت:
«الفن أول ما يتأثر بالاقتصاد… منذ الحرب تأثر الفن كثيراً، لكن الآن أصبح الفن السوري منتشراً عالمياً. ومع تحسن الظروف الاقتصادية ستعود هذه المعارض بقوة».
• عن أثر المشروع في فينيسيا: ذكرت أن كثيراً من الحضور خرجوا متأثرين حتى البكاء من الحالة التي نقلها العمل.
دمشق القديمة… المكان الذي أضاف الروح
لم يكن المكان تفصيلاً.
دمشق القديمة، بحجارتها التي تشبه ذاكرة جماعية، منحت الجلسة روحاً لا يمكن استنساخها.
الضوء الخافت، رائحة الياسمين، وقع الخطوات على الأرض العتيقة… كل ذلك جعل الحوار أكثر قرباً، وأكثر صدقاً.
من طفلة ترسم على الجدران، إلى فنانة سورية عالمية تحمل ذاكرة تدمر إلى العالم، تواصل سارة شمّة مسيرتها كفنّانة لا تخشى الذاكرة ولا الجرح.
مشروع «مدفن تدمر البرجي» في بينالي البندقية ليس مجرد عرض دولي، بل رسالة:
أن سوريا، رغم كل ما مرّت به، ما زالت قادرة على أن تقدّم فناً يحرّك العالم، ويجعله يبكي كما بكى كثيرون في فينيسيا.
عدد المشاهدات: 0



