كتب : نور عمر حاج حسين
- سر الكيان الذي لا يُرى
في تأمّلٍ طويل يشبه سريان الدم الذي كشف ابن النفيس سرّه، يمكن للإنسان أن يكتشف أن النفس ليست مجرّد جوهرٍ ساكن، بل حركةٌ دقيقة تتخلّل وجوده كما يتخلّل الهواءُ الرئتين. النفس، في رؤيته، ليست كيانًا يُدرَك بالحدس وحده، بل تُدرَك بالمعرفة، بالبحث في طبائعها، وبفهم ما يربطها بالجسد وما يحرّرها منه.
إن حبّ النفس، حين يُنظر إليه بمنظار ابن النفيس، ليس عاطفةً تُغدَق على الذات، بل معرفةٌ تُكتَسب. فالنفس لا تُحَبّ لأنها تستحقّ الحبّ فحسب، بل لأنها تُخفي في أعماقها نظامًا لا يقلّ إحكامًا عن النظام الذي يسير به الدم في شرايين الجسد. كلّ جزءٍ في الإنسان، ماديًّا كان أو معنويًّا، يعمل وفق قانون، ومن عرف القانون أحبّ ما يعمل به، كما يحبّ العالِمُ الحقيقة حين يكتشفها.
ولذلك فإن حبّ النفس يبدأ من إدراك حقيقتها: أنها ليست كتلةً من الرغبات، ولا وعاءً للآلام، بل هي قوّةٌ تتشكّل باستمرار، تتغيّر كما يتغيّر الجسد، وتكتمل حين يعي الإنسان أن نقصه جزءٌ من نظامه، وأن ضعفه ليس عيبًا بل مرحلةً من مراحل نموّه. النفس التي تُحبّ ذاتها لا تفعل ذلك لأنها كاملة، بل لأنها تعرف أن الكمال حركةٌ لا تُدرَك إلا بالسعي.
وفي فلسفة ابن النفيس، لا يمكن للنفس أن تُحَبّ دون أن تُفهَم، ولا يمكن أن تُفهَم دون أن تُراقَب كما يُراقَب الجسد في علم الطبّ. فكما أن الطبيب لا يعالج عضوًا دون أن يعرف وظيفته، كذلك الإنسان لا يعالج نفسه دون أن يعرف ما يحرّكها، وما يربكها، وما يعيد إليها توازنها. حبّ النفس هو طبٌّ داخليّ، يبدأ بالتشخيص وينتهي بالسلام.
إن النفس التي تُحبّ ذاتها لا تبحث عن التزيّن أمام العالم، بل تبحث عن الانسجام مع ذاتها. إنها نفسٌ تدرك أن قيمتها ليست فيما يُضاف إليها من الخارج، بل فيما يتجلّى منها في الداخل. النفس التي تُحبّ ذاتها لا تُغريها المقارنات، لأنها تعرف أن لكلّ إنسانٍ نظامًا خاصًا، وأن محاولة التشبّه بالآخرين تشبه محاولة تغيير مسار الدم في الجسد؛ عبثٌ لا يُنتج إلا خللًا.
وحين يبلغ الإنسان هذا الفهم، يصبح حبّ النفس فعلًا معرفيًا، لا عاطفةً عابرة. يصبح سعيًا إلى تهذيب الروح كما يُهذَّب الجسد، وإلى إصلاح الداخل كما يُصلَح الخارج. يصبح إدراكًا بأن النفس ليست ملكًا للظروف، بل ملكًا للوعي، وأن الإنسان لا يُهزَم إلا حين يجهل نفسه، ولا ينتصر إلا حين يعرفها.
وفي هذا العمق، يتجلّى حبّ النفس كأعلى درجات الحكمة:نصيحتي اليكم … أن ترى نفسك كما هي، لا كما تُراد أن تكون أن تقبل نقصك دون أن تستسلم له؛ أن تسعى إلى اكتمالك دون أن تتوهّم الوصول إليه أن تجعل من نفسك موضوعًا للمعرفة، لا ساحةً للصراع.
عامل نفسك كما يعامل الطبيب قلبًا ينبض في صمت: راقبها، افهمها، أصلحها، ولا تتركها دون رعاية. فالنفس التي تُفهَم تُشفى، والنفس التي تُشفى تُحبّ، والنفس التي تُحبّ تُنير طريق الإنسان في كلّ ما يفعل.

