كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
الوفاء حين لا يحمي صاحبه من الظلم
هناك ظلم لا يحتاج إلى صوت مرتفع حتى يكون مؤلما ولا يحتاج إلى كلمات قاسية حتى يترك أثرا لا ينسى يكفي أن
تضع ثقتك في إنسان وأن تكون معه صادقا وأمينا ثم تجد نفسك في لحظة واحدة متهما بشيء لم تفعله أو محسوبا على موقف لم يكن لك فيه ذنب
أقسى أنواع الظلم أن يحاسبك شخص على ظن لا على حقيقة وأن تبنى تجاهك الأحكام دون أن يسألك أحد ودون أن يمنحك فرصة واحدة لتشرح موقفك
والأصعب من ذلك كله أن يكون من ظلمك هو الشخص الذي لم ير منك طوال الوقت إلا الخير
كيف يمكن لإنسان أن يكون أمينا معك يحفظ لك مكانتك ويقف إلى جانبك ويمنحك ثقته ثم يكتشف فجأة أنك لا تراه بالصورة نفسها التي كان يراك بها
كيف يمكن أن يتحول تاريخ كامل من التعامل الطيب إلى شك بسبب موقف واحد فهم بطريقة خاطئة أو كلمة نقلت ناقصة أو حكاية رواها شخص لم يعرف الحقيقة كاملة
العدل لا يعني أن تصدق كل ما تسمعه والعدل الحقيقي أن تتوقف قبل أن تحكم
اسأل ناقش واجه امنح الطرف الآخر فرصة للكلام لأن الحكم على إنسان دون سماعه ليس قوة بل ظلم
هناك أشخاص لا يملكون رفاهية الدفاع عن أنفسهم كل مرة لأنهم ببساطة لم يتوقعوا أن يأتي الاتهام من المكان الذي كانوا يشعرون فيه بالأمان
الشخص الذي اعتاد أن يكون صادقا معك من الطبيعي أن يتألم حين تشك في صدقه
والشخص الذي لم تر منه إساءة لا يستحق أن تحمله إساءة لمجرد أن أحدا أقنعك بها
ليس من العدل أن تقول لإنسان أنا أعرفك جيدا ثم تصدق عنه شيئا يناقض كل ما عرفته منه طوال سنوات
فالناس لا تعرف من موقف واحد ولا تختصر في رواية واحدة ولا يصح أن يهدم تاريخ كامل بسبب انطباع عابر
الظلم البين أحيانا يكون في تجاهل كل الأشياء الجميلة التي فعلها الإنسان والتركيز فقط على تفسير سيئ لموقف يحتمل أكثر من معنى
وقد يكون الظلم في أن تأخذ الصمت اعترافا والابتعاد هروبا والارتباك ذنبا بينما الحقيقة أن الإنسان المظلوم قد يكون في لحظة لا يعرف فيها كيف يدافع عن نفسه أمام حكم صدر عليه مسبقا
وهنا يصبح الألم أكبر من مجرد اتهام
لأن المظلوم لا يتألم فقط من الكلام الذي قيل عنه لكنه يتألم من الشخص الذي صدق الكلام
يتألم لأنه كان يظن أن مكانته عندك أكبر من أن تهزها رواية وأن معرفتك به أعمق من أن يغيرها كلام وأن السنوات والمواقف والتعاملات الصادقة ستكون أقوى من أي سوء فهم
لكن بعض الناس لا يدركون أن فقدان الثقة لا يحدث دائما بسبب خيانة بل قد يحدث بسبب اتهام ظالم
حين تتهم إنسانا بريئا بالخيانة فأنت لا تجرحه فقط بل تهدم داخله شيئا كان يخصك أنت
قد يظل الإنسان محترما وقد يظل هادئا وقد لا يرد بنفس القسوة لكنه بالتأكيد لن يكون كما كان
ليس لأنه تغير وإنما لأنه عرف أن صدقه لم يكن كافيا ليحميه من سوء الظن
ومن المؤلم جدا أن تكون أمينا مع شخص لا يعرف كيف يرد لك الأمانة
أن تحافظ على صورته أمام الآخرين بينما هو يسمح للشكوك أن تصنع لك صورة ليست لك
أن تكون حريصا على ألا تخذله ثم تجد نفسك متهما بأنك خذلته
أن تمنح شخصا حسن الظن ثم تحصل منه على أسوأ الظنون
وهذا تحديدا هو الظلم الذي يصعب على الإنسان تجاوزه
لأنك لا تستطيع أن تقنع نفسك بسهولة بأن شخصا عرفك جيدا يمكن أن يصدق عنك ما لم يحدث
لكن الحقيقة أن الإنسان أحيانا لا يظلم بسبب ما فعله وإنما بسبب ما قرره الآخرون أن يصدقوه عنه
وفي الحياة ليس كل من صمت موافقا وليس كل من ابتعد مذنبا وليس كل من لم يدافع عن نفسه عاجزا
أحيانا يكون الصمت احتراما للنفس
وأحيانا يكون عدم الرد لأن الإنسان يعرف أن بعض الأحكام لا تحتاج إلى معركة بل تحتاج إلى وقت يكشف الحقيقة
فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ حتى تنتصر
قد تتأخر لكنها حين تظهر تجعل كثيرا من الكلام الذي قيل بلا قيمة
ولذلك لا تجعل ثقتك في أحد سببًا لأن تظلمه ولا تجعل كلام الآخرين أقوى من معرفتك الشخصية به
إذا كان بينك وبين إنسان عشرة فاسأل نفسك قبل أن تصدق عنه شيئا هل رأيت منه ذلك فعلا
إذا كانت الإجابة لا فربما يكون الإنصاف أن تسمعه قبل أن تحكم عليه
فالعدل ليس أن تقف مع شخص ضد شخص وإنما أن تقف مع الحقيقة حتى لو كانت ضد توقعاتك
وأحيانا يكون أكبر اعتذار يمكن أن تقدمه لشخص ظلمته هو أن تعترف أنك أخطأت في حقه لا أن تبحث عن مبررات جديدة لخطئك
لأن الاعتراف بالظلم لا يقلل من قيمة الإنسان بل يرفعها
أما الإصرار على ظلم شخص لم يؤذك يوما ثم البحث عن أعذار لتبرير هذا الظلم فهو ظلم آخر فوق الظلم الأول
وفي النهاية هناك أشخاص قد لا يطالبونك بشيء
لا يطلبون منك اعتذارا ولا يطلبون منك أن تعيد لهم مكانتهم ولا حتى ينتظرون منك تفسيرا
كل ما كانوا يريدونه في البداية كان شيئا بسيطا جدا
أن تنصفهم
أن تتذكر الخير الذي رأيته منهم قبل أن تصدق الشر الذي سمعته عنهم
أن تسألهم قبل أن تحكم عليهم
وأن تعرف أن الإنسان الذي كان أمينا معك طوال الطريق لا يستحق أن تكون أول مكافأة تقدمها له هي الشك
فالظلم البين ليس فقط أن تأخذ حق إنسان بل أن تأخذ منه حقه في أن يفهم كما هو لا كما صوره الآخرون
وأقسى ما في الظلم أن يأتي ممن كنت تظن أنه يعرفك جيدا
لكن عزاء المظلوم الحقيقي أن الله يعلم الحقيقة كاملة ويعلم من صدق ومن خان ومن ظلم ومن افترى ومن صمت حفاظا على كرامته
ولهذا لا يحتاج المظلوم دائما إلى أن ينتصر بالكلام
يكفيه أن تأتي لحظة يعرف فيها الجميع أن الحقيقة كانت موجودة طوال الوقت لكن البعض اختار ألا يراها

