كتب : بقلم الإعلامية د./شيماء الشافعي
سذاجة أم نقاء..؟
أشدّ أنواع الخذلان أن تكتشف متأخراً أن قلبك كان نقياً أكثر مما يحتمله هذا العالم
حين يَظلمُ الإنسانُ نفسَهُ ويظن أن قلوب الناس جميعاً على شاكلة قلبه
في بداية الحياة ندخل إلى الناس بقلوبٍ مفتوحة نظن أن الصدق قيمة مشتركة
وأن النقاء أمرٌ طبيعي وأن من يبتسم لنا يحمل في داخله ذات السلام الذي نحمله له
لكن السنوات لا تمرّ عبثاً إنها تُعلّم الإنسان احياناً بقسوة أن القلوب ليست نسخة واحدة وأن ما تراه فطرةً قد يراه غيرك سذاجة
وأن بعض الأرواح خُلقت لتُحب بينما خُلقت أخرى لتأخذ فقط
وهنا يبدأ الوعي المؤلم لان
كل شخص منا يرى العالم من انعكاس قلبه
صاحب القلب النقي لا يشك كثيراً لأنه لا يحمل داخله نية الأذى
ولهذا يثق بسهولة ويغفر بسرعة
ويتعامل بعفوية ويظن أن الصدق لغة يفهمها الجميع لكنه لا يدرك أن بعض الناس لا يرون العلاقات كما يراها هو
فهناك من يقترب لمصلحة وهناك من يتقن ارتداء المشاعر ومن يحترف الكلمات الجميلة دون أن يسكنها معنى حقيقي
فالفلسفة الأعمق للخذلان انه لا يؤلم فقط لأن أحدهم رحل بل لأنه كسر صورة جميلة كنا نحملها عن البشر
فالإنسان حين يُصدم على طيبته التي لم تجد المكان المناسب
ولهذا يصبح بعض الناضجين أكثر هدوءاً مع الوقت ليس لأن قلوبهم ماتت بل لأنها تعبت من استقبال العالم بنفس البراءة القديمة
ف هناك من يقف مع الجميع
وكان يظن أن الوفاء يُقابل بالوفاء
يساعد، ويساند، ويحضر وقت الضيق لكن حين سقط هو اكتشف أن كثيرين كانوا يحبون عطاءه لا حضوره
وايضاً هناك من أحبت بصدق
لم تدخل العلاقة بحسابات بل بقلبٍ واضح ونية نقية
بينما الطرف الآخر كان يرى الحب تسلية مؤقتة فتحوّل صدقها إلى جرح طويل
وايضاً هناك شخص لا يعرف الكذب فيُفاجأ أن هناك من يستطيع النظر في عينيه والكذب بكل هدوء
لأن الإنسان غالباً لا يتوقع من الآخرين ما لا يستطيع فعله هو بنفسه
فالله لم يخلق الناس متشابهين في القلوب ولهذا كانت الحكمة نعمة لا تقل أهمية عن الطيبة
فالروح النقية جميلة لكنها تحتاج بصيرة تحميها و الإسلام لم يُطلب منا أن نكون ساذجين
بل رحماء بوعي وطيبين دون أن نُسلّم أرواحنا لكل عابر
ولذا فالحقيقة التي يكتشفها الإنسان متأخراً ان ليس كل من اقترب منك أحبك
وليس كل من قال كلاماً جميلاً كان صادقًا وليس كل قلب يشبه قلبك
وهذه ليست دعوة للقسوة بل دعوة للفهم والنضج الحقيقي
والنضج هنا لا يعني أن تتحول إلى شخصٍ بارد بل أن تتعلم كيف تحتفظ بنقاء قلبك دون أن تسمح لأحد باستنزافه
وأن تُحسن الظن بالله دائمًا لكن تُحسن قراءة البشر ايضاً
ومع الوقت ستدرك أن أكبر ظلم قد تفعله بنفسك هو أن تتوقع من الجميع مقدار الصدق الذي تحمله انت في قلبك
فليست كل الأرواح تُشبه بعضها ولا كل الابتسامات تحمل نوايا بيضاء
ومع ذلك يبقى القلب النقي نعمة عظيمة إذا صاحَبَه وعيٌ يحميه لا خوفٌ يقتله
لذا فلا تؤذِ قلبك بتوقع النقاء من الجميع فبعض البشر يشبهون كلماتهم وبعضهم لا يشبههم
إلا الله حين يكشف لك حقيقتهم

