كتب : الدكتور / غازي فيصل حسين
العراق بين تحديات احتواء التصعيد وحصر السلاح بيد الدولة: رهانات الأمن الوطني ومستقبل العلاقة مع إيران
الأوضاع السياسية والأمنية في العراق الذي يواجه مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة
وإيران، وما يرافقه من تحديات أمنية وسياسية داخلية تتعلق بملف الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة. وتبقى قدرة
الحكومة العراقية على تحقيق التوازن بين حماية السيادة الوطنية، ومنع انزلاق البلاد إلى صراعات إقليمية، وتعزيز
علاقاتها الدولية، أحد أهم الاختبارات التي ستحدد مستقبل الاستقرار والأمن في العراق.
أكيد نتمنى أن ينجح السيد علي الزيدي، رئيس مجلس الوزراء، في مهمته المتمثلة باحتواء التصعيد بين الولايات المتحدة
وإيران، إلى جانب معالجة ملف الفصائل المسلحة، ولا سيما الفصائل السبع التي تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية
وفق بيانات وزارة الخارجية الأمريكية. كما أن بعض هذه الفصائل ترتبط بعلاقات عسكرية واستشارية مع عناصر من
الحرس الثوري الإيراني، وتمتلك صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً للأمن الوطني العراقي.
وقد شهدت الأيام الماضية أحداثاً خطيرة، تمثلت في استهداف القنصلية الأمريكية، فضلاً عن استهداف مواقع حيوية في
أربيل بإقليم كردستان. كما نفذت إيران عمليات قصف استهدفت مواقع لمعارضين أكراد إيرانيين في محافظة
السليمانية، الأمر الذي يعكس استمرار التوتر بين بغداد وطهران بشأن هذه الملفات.
إضافة إلى ذلك، تعرض إقليم كردستان، خلال السنوات الماضية لأكثر من ثلاثمائة هجوم استهدفت منشآت حيوية، من بينها
حقل غاز خور مور ومنشآت نفطية وشركات استثمارية، سواء من قبل بعض الفصائل المسلحة أو
عبر عمليات نسبت إلى إيران باستخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة.
ومن هنا، نأمل أن يتمكن السيد رئيس الوزراء من تحقيق قدر من التوافق الوطني، والعودة إلى سياسة تقوم على حماية
المصالح العراقية المشتركة، ووقف التهديدات التي تمارسها بعض الفصائل المسلحة
تحت مسميات مختلفة، بما يسهم في تعزيز هيبة الدولة وترسيخ سيادتها.
وفي حال أخفقت الحكومة في معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة ضمن المدد الزمنية المحددة، فإن العراق سيبقى يواجه
تحديات أمنية وسياسية معقدة، لأن ملف الفصائل المسلحة والصواريخ والقواعد العسكرية يرتبط، في جانب منه، بطبيعة
الاستراتيجية الإقليمية للحرس الثوري الإيراني، التي تتجاوز حدود العراق إلى ساحات أخرى، كما هو الحال في لبنان واليمن وسوريا.
إن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تحولاً جوهرياً في طبيعة الاستراتيجية الإيرانية، بحيث يقتصر دور المؤسسة العسكرية
الإيرانية على حماية الدولة الإيرانية ومصالحها الوطنية، بدلاً من الانخراط في صراعات إقليمية ممتدة.
أما الصراع الإيراني ـ الأمريكي، الذي تصاعد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد ألحق خسائر جسيمة بمختلف
الأطراف، سواء في غزة أو اليمن أو لبنان أو سوريا، وحتى في العراق ودول الخليج العربي، فضلاً عن إيران نفسها. وتشير
تقارير دولية إلى أن الحرب خلفت خسائر اقتصادية وبشرية كبيرة، وأثرت بصورة مباشرة في الاقتصاد الإقليمي وحركة التجارة والطاقة.
ومن دون مراجعة شاملة للسياسات التي قادت إلى هذا التصعيد، سيبقى الوصول إلى تسوية دائمة أمراً بالغ الصعوبة.
كما أن مذكرة التفاهم التي سبق أن وقعت في سويسرا بين الجانبين الإيراني والأمريكي
لم يكتب لها الاستمرار، فعادت المنطقة إلى دوامة العمليات العسكرية والتصعيد المتبادل.
إن إنهاء هذه الحرب يتطلب التوجه نحو اتفاق سياسي شامل يحفظ مصالح جميع الأطراف، ويجنب شعوب المنطقة مزيداً
من الخسائر، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على السلام والاستقرار بدلاً من الصراعات المستمرة.
كما أن أي هدنة مؤقتة، سواء كانت لعشرة أيام أو لأسبوع، لن تمثل حلاً حقيقياً إذا لم تعالج جذور الأزمة. فالحل الدائم
يتطلب العودة إلى احترام قواعد القانون الدولي، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وعدم التدخل في أمن الخليج العربي
أو في الشؤون الداخلية للدول العربية، والعمل على بناء منظومة إقليمية قائمة على حسن
الجوار والاحترام المتبادل وعدم استخدام القوة لتحقيق الأهداف السياسية.
وفي النهاية، فإن أمن العراق واستقراره يجب أن يبقى أولوية وطنية عليا، وأن تستند السياسات العراقية إلى
حماية السيادة، وحصر السلاح بيد الدولة، وتحييد البلاد عن صراعات المحاور
بما يضمن مصالح الشعب العراقي ويعزز مكانة العراق الإقليمية والدولية.
الدكتور غازي فيصل حسين
أستاذ العلاقات الدولية ورئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية.

