كتب : : د. سيما حقيقي
حين لا يكتمل الوداع
هناك وجعٌ لا يأتي من الفقد وحده… بل يظل عالقاً يوقد فنا تلك الاشياء التي لم تُغلق.
وجعٌ يبقى بيننا وبين من رحلوا، كأن شيئًا في الحكاية لم يصل إلى نهايته.
نقف أمام الغياب، لا نحمل الحزن فقط، بل نحمل ما لم يُقال، وما لم يُفهم، وما لم يُغفر.
فبعض الراحلين يتركون خلفهم ذكرى…و بعضهم يترك سؤالًا.
ذلك السؤال الذي يظلّ مفتوحًا، يدور في الداخل بصمت، ولا يجد طريقه إلى الإجابة.
كيف يُغلق القلب بابًا لم يُطرق من الداخل؟
كيف يهدأ وجعٌ لم يُعترف به؟
في داخلنا… يتجاور شيئان لا يلتقيان بسهولة:
قلبٌ يعرف التعب، ويريد أن يضع كل شيء خلفه، وعمقٌ آخر ما زال يحتفظ بصورةٍ لم تكتمل، بجرحٍ لم يُفهم، بكلمةٍ كان يجب أن تُقال. وباعتذار كان يجب أن يقدم.
نريد السلام، لكن الطريق إليه يمرّ عبر ما لا نعرف كيف نواجهه.
تمرّ لحظات نشعر فيها أن الصفح قريب، كأنه قرار يمكن اتخاذه، ثم نعود خطوةً إلى الخلف، حين يلامسنا ما بقي من الأذى.
ليس لأننا لا نريد أن نسامح، بل لأن في داخلنا ما لم يهدأ بعد.
فالصفح… ليس كلمة تُقال، ولا قرارًا يُؤخذ دفعةً واحدة.
هو طريق، يمرّ عبر فهمٍ أعمق، عبر إدراكٍ هادئ
أن ما حدث… قد حدث، وأن ما بقي فينا من جرح يحتاج أن يُرى و يداوى قبل أن يُترك.
أحيانًا، لا يكون الألم في ما قاموا به تجاهنا، بل في غياب الاعتراف به.
في أن يبقى الجرح بلا اسم، وبلا اعتذار، وبلا لحظة نضع فيها ما حدث في مكانه الصحيح.
وهنا…
يصبح الصفح أثقل.
قد لا يكون مستحيلاً ، لكنه يبحث عن أرضٍ يقف عليها، ولا يجدها.
فنظلّ بين رغبتين: أن نغلق الباب لنرتاح، وأن نفهم ما حدث… ويداوى الجرح بالاعتراف و الاعتذار لنتمكّن من إغلاقه.
وفي هذا التردّد، نعيش.
لا نترك الوجع، ولا نتحرّر منه، لكنه يرافقنا … بصمت.
إلى أن يأتي وقت يتغيّر فيه شيء في الداخل،
قد لا يكون بصورة قرار بل بتحوله إلى نضجٍ هادئ.
حينها… لا ننسى، لكننا نرى ما حدث من مسافةٍ مختلفة.
مسافةً تجعلنا أقلّ انكسارًا، وأكثر قدرة على أن نضع ما كان في مكانه.
ربما لا يكون الصفح دائمًا فعلًا تجاه الآخر، بل تحوّلًا يحدث فينا.
تحوّل لا يُعيد ما فُقد، ولا يُنكر ما حدث، لكنه يحرّرنا من أن نبقى عالقين فيه.
ربما… لا يكون السلام الذي ننتظره في أن ننسى ما حدث، ولا في أن نمنح الصفح بسهولة، بل في أن نصل—بهدوء— إلى تلك المسافة التي نرى منها ما كان، دون أن يؤلمنا بالطريقة نفسها.
مسافة… لا تُغيّر الحقيقة، لكنها تُعيد ترتيبها داخلنا، وتجعل ما بقي منها أخفّ، وأقرب إلى الفهم.
وهكذا…
لا نترك الراحلين فقط،
بل نترك أيضًا ذلك الجزء من الألم
الذي لم يعد يشبهنا.
عدد المشاهدات: 0


