كتب : سيما حقيقي
نحن… قراءةٌ أخرى لم تكتمل
هناك حياة… لم نصل إليها بعد،
ومع ذلك… تنتظرنا.
ليست بعيدة كما نظن، ولا غامضة كما نخاف،
لكنها تتشكّل بهدوء… في كل اختيارٍ نمرّ به دون أن ننتبه.
نظنّ أننا نسير نحو المستقبل، نخطّط له، نحاول أن نُحسن رسمه، ونقلق من مفاجآته…
لكن الحقيقة أكثر خفاءً.
فالمستقبل لا يأتي إلينا كما نتخيّل، بل يتكوّن فينا… قبل أن نصل إليه.
في قراراتٍ بدت عابرة، في طرقٍ اخترناها دون يقين، وفي لحظاتٍ ظننا أنها لا تغيّر شيئًا…
بينما كانت تعيد تشكيل كل شيء بهدوء.
نحن لا نعرف ما ينتظرنا فعلًا، لكننا نحمل—دون أن نشعر—
بذور ما سنصبحه.
ففي داخل كل لحظة نعيشها، هناك اختيارٌ صغير، قد لا يبدو مهمًا، ولا يلفت انتباهنا… لكنه يترك أثرًا خفيًا يمتدّ أبعد مما نتخيّل.
نمرّ بهدوء، نقرّر، نتراجع أحيانًا، ونمضي… دون أن نرى كيف تتشكّل الطرق من تحت أقدامنا، وكيف يصبح ما نعيشه الآن ملامح لحياةٍ لم نصل إليها بعد.
قد لا يكون كل مفترق طرقٍ في حياتنا واضحًا، ولا كل القرارات تُعلن عن أهميتها لحظة حدوثها.
فبعض الطرق تبدأ كاختيارٍ عادي، كلمة قلناها دون تفكير،
خطوة تقدّمنا بها… أو تراجعنا عنها، أو باب لم نطرقه… لأننا لم نشعر أنه يستحق.
لكننا، بعد زمن، نلتفت إلى الخلف… فنكتشف أن تلك اللحظة الصغيرة لم تكن عابرة كما ظننا، بل كانت بداية طريقٍ كامل.
نحن لا نواجه دائمًا قراراتٍ كبرى، بل نعيش تفاصيل تبدو هامشية، بينما تعيد ترتيب مسارنا بالكامل.
ولهذا… لا يكون السؤال الحقيقي: أي طريقٍ اخترنا؟
بل أي نسخةٍ منّا بدأت تتشكّل في اللحظة التي اخترنا فيها؟
نخاف من الخطأ… كأنه نهاية، وكأنه انحرافٌ عن الطريق الصحيح.
لكننا لا نرى، في لحظته، أن بعض ما نسمّيه أخطاء… كان الطريقة الوحيدة لنصل إلى ما لم نكن لنفهمه بغيره.
قد لا تكون كل الخسارات فقدًا، ولا كل التعثّرات ضعفًا،
ولا كل ما كسرنا… كان ضدّنا.
أحيانًا، يأخذنا الخطأ إلى مكانٍ لم نكن لنقصده، لكننا—حين نصل— نكتشف أنه كان ينتظرنا.
ربما… لأننا تعلّمنا بعده.
فبعض الدروس لا تأتي حين نكون مستعدّين، بل حين نكون في أمسّ الحاجة إليها، حتى لو بدت قاسية، أو جاءت بطريقة لم نكن لنقبلها لو خُيّرنا.
ولهذا… لا يُقاس ما حدث لنا بما خسرناه فيه، بل بما أصبحنا عليه بعده.
وهنا… تأتي بعض الأشياء بطريقة لم نخطّط لها، ولا تشبه ما انتظرناه طويلًا.
فهناك لحظاتٌ تغيّرنا، تدخل حياتنا بهدوء، دون أن تمرّ عبر الأحلام التي رسمناها، أو التوقّعات التي اعتدنا أن نتمسّك بها.
تحدث…
بطريقة لا نشبهها في البداية، ثم نكتشف—بعدها— أنها كانت أقرب إلينا مما تمنّيناه لأنفسنا.
فأجمل ما يحدث لنا، لا يأتي دائمًا بالشكل الذي تخيّلناه، ولا في الوقت الذي حسبناه مناسبًا، ولا عبر الطريق الذي رسمناه بعناية.
وكأن المستقبل… لا يحقّق رغباتنا كما هي، بل يعيد صياغتها، ينقّيها من تصوّراتنا الضيّقة، ويمنحها شكلًا لم نكن لنصل إليه وحدنا.
ولهذا… بعض ما نرفضه في لحظته، يصبح—بعد زمن—
الشيء الوحيد الذي نشكر الحياة عليه.
الإنجاز لا يشبه دائمًا تلك الصورة التي رسمناها له منذ البداية.
يأتي أحيانًا على هيئة تغيّرٍ هادئ، لا يلفت الانتباه، ولا يُعلن عن نفسه كذروة.
يتشكّل في الداخل قبل أن يُرى في الخارج، في طريقةٍ مختلفة ننظر بها إلى ما مررنا به، وفي شعورٍ خفي يقول إن شيئًا فينا لم يعد كما كان.
هناك لحظات نخرج منها بملامحنا نفسها، لكن بشيءٍ أعمق لا يُقاس ولا يُشرح.
شيء يجعلنا أقرب إلى ما نحن عليه فعلًا، وأبعد قليلًا عن الصورة التي كنّا نحاول أن نكونها.
وقد يتجلّى الإنجاز في قدرتنا على الاستمرار، بخطوةٍ هادئة،
وسط طريقٍ لم يعد سهلًا…
لأننا تعلّمنا كيف نحمل أنفسنا… ونمضي.
وهنا… يتغيّر المعنى.
فيغدو الوصول أقلّ أهمية من هذا التحوّل الذي يحدث فينا دون أن نُعلن عنه.
فهناك في داخل كل إنسان ملامح لا تظهر دفعة واحدة،
ولا تُكشف في لحظةٍ واحدة.
تخرج بهدوء، مع كل تجربة، ومع كل عبورٍ لم نكن نعرف إلى أين سيأخذنا.
نلتقي بأنفسنا… على مراحل.
نسخةٌ تظهر حين نفهم شيئًا لم نكن نراه، وأخرى تتشكّل حين نتجاوز ما ظنناه نهاية.
كأننا لا نصبح أنفسنا مرةً واحدة، بل نقترب منها كلما مررنا بما يكفي لنراها بوضوح أكبر.
وفي هذا الاقتراب، لا يكون الطريق هو المهم…
بل هذا التحوّل الصامت الذي يجعلنا، بعد كل مرحلة، أكثر شبهًا بما كنا نحاول فهمه في داخلنا.
وهكذا…
نصل، دون أن نعلن الوصول،
ونتغيّر، دون أن نلتفت للحظة التي بدأ فيها التغيّر.
إلى أن نقف يومًا… وندرك
أننا لم نكن نسير نحو شيءٍ بعيد،
بل كنّا نعود—ببطء—
إلى أنفسنا.
نقترب من المجهول كما لو أنه مساحة بلا ملامح، فنحمله في داخلنا بشيءٍ من الترقّب… وشيءٍ آخر يصعب تسميته.
تتوقّف أعيننا عند حدود ما نعرف، بينما يمتدّ أمامنا ما لم تتشكّل صورته بعد.
ومع ذلك… يستمرّ شيءٌ فينا بالانجذاب نحوه، كأن بيننا وبينه معرفةً قديمة لم ننتبه لها.
المجهول لا يأتي فارغًا، بل محمّلًا بما ينتظر أن يُكتشف، بأحداثٍ لم تُعش، وبملامح لم تظهر بعد.
نقترب منه… خطوةً بعد أخرى، فنراه يتبدّل في أعيننا، وتتشكّل ملامحه كلما اقتربنا، وكلما لامسناه بعمقٍ أكبر.
وفي كل اقتراب، تنكشف زاوية… ثم أخرى،
إلى أن يصير ما كان غامضًا تفصيلًا نعيشه، وجزءًا من حكايتنا.
كأن المجهول لم يكن بعيدًا، بل كان ينتظر اللحظة التي نصبح فيها قادرين على رؤيته.
نمضي…
كما لو أن الطريق يقودنا إلى الخارج، بينما كل ما يحدث يقودنا إلى الداخل أكثر.
نلتقي بالمستقبل كما نلتقي بمرآةٍ جديدة، تكشف لنا ملامح لم نكن نراها بوضوح من قبل.
وفي هذا اللقاء، نحمل معنا ما نحتاجه فعلًا لنفهم أنفسنا بعمقٍ أكبر.
تتغيّر الصورة، وتتبدّل الرغبات، وتأخذ الأحلام شكلًا آخر…
أقرب،
وأصدق،
وأكثر شبهًا بما نحن عليه.
وهكذا… نلتقي بأنفسنا فيه، نسخةً ناضجة، تتشكل بهدوء من كل ما عشناه، ومن كل ما مرّ بنا.
نسخة تعرف طريقها أكثر، وتحمل في داخلها قوةً لا تُعلن عن نفسها، بل تُعاش… بثقةٍ هادئة.
وكل ما نعيشه الآن… يُكتب فينا بهدوء.
في قراراتٍ نأخذها، وفي طرقٍ نختارها، وفي خطواتٍ قد تبدو عادية… بينما ترسم—ببطء— ملامح ما سنكونه لاحقًا.
نصوغ أيامنا، ثم نعود إليها…
لنقرأها بعينٍ أكثر نضجًا، ورؤيةٍ أوسع.
وكأن الحياة… تمنح معناها حين نلتفت إليها من مسافة.
وربما…
لم يكن الغدُ صفحةً جديدة،
بل قراءةً أخرى… لما كتبناه اليوم.


