كتب : معصومة العبد الرضا – ناقدة خطاب ثقافي معاصر- مستشار أسريِّ
لماذا نسمع الكلام؟
ثقافة الطاعة العمياء وخنق الأسئلة
اسمع الكلام، لا تجادل، نفّذ وبعدين افهم…
عبارات مألوفة، نسمعها منذ الطفولة، تتكرر في البيت، في المدرسة، في محيط العمل.
فننشأ ونحن نظن أن الطاعة فضيلة مطلقة، وأن السؤال علامة على قلة الأدب، وأن العقل يجب أن يُطوى لا أن يُفرد.
لكن، فلنسأل بجرأة:
هل الطاعة قيمة في ذاتها؟ أم أنها تصبح عبئًا حين تُمارس بلا وعي؟
الطاعة التي تُطفئ التفكير
حين نربي أبناءنا على الطاعة دون مساحة للتفكير، فإننا نُنتج أشخاصًا يُجيدون الامتثال، لكنهم يعجزون عن اتخاذ القرار.
يخافون أن يخطئوا، لأنهم لم يُمنحوا حرية التجربة.
يصمتون حين يُسألون: ما رأيك؟ لأنهم اعتادوا تنفيذ ما يُملى عليهم.
في بيئة تُكافئ الطاعة وتُقصي التساؤل، ينشأ الجيل مطيعًا لكنه هشّ، هادئًا لكنه مغيَّب، حاضرًا بجسده وغائبًا بعقله.
الطاعة العمياء تقتل المسؤولية
الطاعة بدون فهم تُحوّل الإنسان إلى أداة، لا شريك.
هو يُنفّذ فقط، ولا يُحاسب نفسه، لأنه ببساطة لم يُقرّر… بل أطاع.
فتضيع المسؤولية، ويبدأ التبرير: أنا فقط نَفّذت، ما لي دخل، هم قالوا لي.
وهكذا، نخلق أجيالًا لا تمتلك بوصلتها، بل تنتظر من يُملي عليها اتجاهها.
الأطفال لا يُزعجون حين يسألون… بل ينمون
كثيرًا ما نقول للطفل: “لا تناقشني”، “قلت لا يعني لا”، “لا تسأل كثير”.
ولا نعلم أننا في كل مرة نُطفئ شعلة الفضول فيه، ونُقنعه أن رأيه لا وزن له،
وأن التسليم أفضل من الفهم، وأن المسايرة أكثر أمانًا من الصدق.
لكن، الطفل الذي لا يُسمح له أن يسأل، سيتحول إلى بالغٍ لا يُجادل خطأ، ولا يُراجع معتقدًا، ولا يُدافع عن حق.
الطاعة ليست شرًا… متى ما كانت واعية
نحن لا نرفض الطاعة حين تكون نابعة من القناعة، ولا نرفض الاحترام حين يكون متبادلًا، لكننا نرفض أن تتحول الطاعة إلى سجن فكري، والصمت إلى معيار للأدب.
الفرق كبير بين:
•أنا أطيع لأنني أفهم، و
•أنا أطيع لأنني لا أجرؤ أن أسأل.
تربية تنمو بالأسئلة
نحتاج إلى تربية تُربّي على التفكير لا التلقين.
على الفهم لا التبرير.
على الشراكة لا الانقياد.
نحتاج أن نعلّم أبناءنا أن السؤال ليس عيبًا، بل هو طريق النضج.
وأن الطاعة ليست هدفًا، بل وسيلة للتفاهم حين تكون عن وعي.
في الختام:
اسأل نفسك:
هل طاعتك تُرضي ضميرك؟ أم تُرضي من حولك فقط؟
هل ما تفعله هو ما تؤمن به… أم فقط ما تعلّمت أن تفعله دون نقاش؟
إن الجواب على هذه الأسئلة هو أول طريقك إلى حرية داخلية لا تمنحها أي طاعة
