كتب : حسيبة صالح - سوريا
سوريا : في سياق التحولات الدولية..قراءة في الرؤية الاستراتيجية لبناء الدولة (2026–2030)
تفتحُ المحاضرةُ بابًا واسعًا للتفكير في مستقبلٍ يحتاجه السوريون أكثر من أي وقتٍ مضى.
في المكتبة الوطنية بدمشق، قدّم مركز جسور للدراسات رؤية استراتيجية لبناء الدولة في سوريا (2026–2030)،
رؤية حملت توقيع صاحب المشروع الأستاذ محمد سرميني، وقدّمها للجمهور وأدار نقاشها الأستاذ أيمن عبد النور بحضورٍ مسؤول وهادئ، جعل القاعة مساحةً حقيقية للحوار.
كانت الجلسة أشبه بمحاولة لاستعادة المعنى: معنى الدولة، ومعنى أن يكون للسوريين مستقبلٌ يمكنهم المشاركة في صياغته لا الاكتفاء بالانتظار على هامشه.
المحور الأول: المرتكزات الاستراتيجية الخمسة لبناء الدولة
يضعُ المشروعُ خمس ركائز أساسية لبناء الدولة السورية:
• سيادة الدولة والأمن وسيادة القانون
• الشرعية والمؤسسات
• الحوكمة والإدارة العامة
• الاقتصاد المنتج والتنمية المستدامة
• الثقة المجتمعية والعقد الاجتماعي
قدّم الأستاذ محمد سرميني هذه المرتكزات بوصفها الأساس الذي لا يمكن لأي دولة أن تُبنى من دونه،
مؤكّدًا أن الثقة المجتمعية ليست مجرد علاقة بين الدولة والمجتمع، بل أيضًا بين أفراد المجتمع أنفسهم، وأن أي مشروع سياسي لن ينجح ما لم يُعالَج هذا الشرخ العميق.
المحور الثاني: استعادة وظائف الدولة وتحليل الفجوات المؤسسية
ينتقل المشروع إلى تحليل فجوات الأداء في وظائف الدولة الأساسية:
• وظيفة الأمن – فجوة الأداء
• وظيفة العدالة – فجوة الأداء
شرح سرميني أن الدولة لا يمكن أن تستعيد حضورها دون فهم هذه الفجوات، وأن الأمن والعدالة هما حجر الأساس لأي مرحلة انتقالية ناجحة.
المحور الثالث: وظائف الدولة الحيوية
توسّع الطرح في ثلاث وظائف إضافية لا يمكن تجاهلها:
• وظيفة الخدمات العامة
• وظيفة إدارة الاقتصاد
• وظيفة بناء الشرعية
هذه الوظائف، كما أوضح سرميني، هي التي تمنح الدولة معناها اليومي في حياة الناس، وهي التي تُعيد بناء الثقة وتُرمّم العلاقة بين المواطن والمؤسسة.
المحور الرابع: التمثيل السياسي والمشاركة
توقّف المشروع عند الواقع الانتقالي، موضحًا أن التمثيل السياسي ليس ترفًا، بل ضرورة لضمان عدم إعادة إنتاج الهياكل القديمة.
وهنا برزت أهمية الأحزاب، ودورها في بناء الدولة، كما أشار الحضور ومنهم علي رحمون وخالد خرطبيل والدكتور زياد عريش الذين شدّدوا على أن الجانب السياسي ما يزال معيبًا ويحتاج إلى تدعيم حقيقي.
إطار تنفيذ الرؤية وآليات الحوكمة
قدّم سرميني إطارًا واضحًا لتنفيذ الرؤية:
• مبادئ تنفيذ الرؤية
• الحوكمة المؤسسية للتنفيذ
• مراحل التنفيذ
• النتائج والتوصيات
كان الجمهور جزءًا حيًا من المحاضرة، وقد جاءت المداخلات لتكشف عمق الحاجة إلى نقاش مسؤول:
• طرح مدير مكتب سوريا في العربي الجديد سؤالًا حول معنى الثقة المجتمعية: هل هي بين الدولة والمجتمع أم بين أفراد المجتمع؟ وكيف يمكن للسلطة استعادة هذه الثقة؟ وما النموذج الاقتصادي الذي تسير عليه الدولة؟
• أشار عضو في مجلس الشعب الأستاذ غابرييل إلى ضرورة أن يتحول دور مجلس الشعب من توصيات إلى خطوات عملية.
• تحدّث الأستاذ علي رحمون عن الجانب السياسي ودور الأحزاب في استكمال الرؤية.
• شدّد الأستاذ خالد خرطبيل والدكتور زياد عريش على أهمية تدعيم المبادرة والتحول الرقمي والبحث عن الأمن الاقتصادي لتحقيق الأمن السياسي.
• قدّمت الأستاذة سوسن زكزك أسئلة جوهرية حول الدستور المطلوب، الشفافية الاقتصادية، منع الاحتكار، وآليات العدالة الانتقالية لضمان المساواة بين المواطنين والمواطنات.
• ركّزت الأستاذة منال غانم على مركزية الثقة، فيما قالت الدكتورة إنجيلا خوري: “بدي إبني بلد… بدي شفافية وعدالة انتقالية”، مؤكدة أن السوريين يحاولون في هذه اللقاءات أن يتعرّفوا على بعضهم من جديد، وأن هذا الدور يقع على المجتمع المحلي أيضًا
تختتمُ المحاضرةُ الطريق ولا تُغلقه.
ما قدّمه الأستاذ محمد سرميني من رؤية، وما أداره الأستاذ أيمن عبد النور من نقاش، وما شارك به الجمهور من أسئلة، كلّه يشير إلى أن السوريين لا يبحثون عن وصفة جاهزة، بل عن مشروع يعيد للدولة معناها وللمجتمع ثقته بنفسه.
هذه الجلسة لم تكن مجرد فعالية…
كانت خطوة أولى في رحلة طويلة، خطوة تقول إن بناء الدولة يبدأ من رؤية، ومن كلمة، ومن قلوب تؤمن أن التغيير ممكن.

