كتب : حسيبة صالح -سوريا
من بيروت إلى قلب الشام… جورج نعمة يعيد إشعال دفء الأغنية في دار الأوبرا السورية
يبدأ جورج نعمة بالغناء كمن يعود إلى بيته بعد غياب طويل. يرفع المايسترو عدنان فتح الله عصاه، فتتقدّم الأوركسترا بخطى واثقة، وتفتح لنعمة الطريق نحو لحظةٍ كان ينتظرها منذ سنوات: أن يغنّي في دمشق، للدمشقيين، على خشبةٍ تعرف كيف تحتضن العائدين إليها بمحبة.
٩
جورج نعمة… صوتٌ يدخل دمشق من باب القلب
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن جورج لم يأتِ ليقدّم حفلة عابرة؛ جاء ليقول للشام إنه اشتاقها. صوته حمل دفء بيروت، لكن روحه كانت تميل نحو دمشق كمن يهمس لها: “كنت ناطر هاللقاء”.
كان يغنّي وهو يبتسم، يلوّح للجمهور، ويترك بين أغنية وأخرى اعترافًا صغيرًا بمحبةٍ كبيرة.
الجمهور السوري ملأ القاعة كمن يملأ حضنًا. تصفيقٌ طويل، هتافات، ووجوه تلمع بالفرح.
كانوا يردّدون معه، يطلبون أغانيه، ويعيدون إليه طاقةً جعلته يضحك أكثر مما يغنّي.
في لحظةٍ ما، بدا وكأن دار الأوبرا نفسها تتنفّس على إيقاعهم.
الفرقة الموسيقية… براعة تُكتب بحروف من ضوء
تحت قيادة المايسترو عدنان فتح الله، بدت الفرقة الموسيقية في قمّة انسجامها.
كل آلة كانت تقول جملة، وكل جملة كانت تفتح طريقًا لصوت جورج.
كان فتح الله يقود بعينين تلمعان، كأنه يعرف تمامًا كيف يوازن بين رهافة الأغنية اللبنانية وعمق الروح السورية.
غنّى جورج أغانيه التي يحبها الجمهور:
من
• “يا تفيدة” التي أشعلت القاعة
• ثم انتقل إلى فيروز، فغنّى “يا عاقد الحاجبين” برهافةٍ جعلت الجمهور يصمت كأنه يصغي لنبضه
• وبعدها “كيفك إنت” التي بدت كرسالة حنين بين بيروت ودمشق
• ثم جاءت “قمرة يا قمرة” بناءً على طلب الجمهور، فارتفعت الأصوات، وتحوّلت القاعة إلى موجة واحدة من الفرح
كان واضحًا أن الجمهور لم يطلب الأغاني فقط… بل طلب اللحظة نفسها، طلب أن يسمع صوته وهو يمرّ فوق دمشق.
أمسية دولية بروح سورية لبنانية مشتركة
الحفل بدا كأنه مساحة مشتركة بين بلدين، بين ذاكرتين موسيقيتين، بين فنانٍ يحمل بيروت في صوته ودمشق في قلبه.
كان جورج نعمة سفيرًا للغناء اللبناني، والمايسترو عدنان فتح الله سفيرًا للروح السورية، والنتيجة كانت أمسية تستحق أن تُروى كدليل على أن الموسيقا ما زالت قادرة على جمع ما تفرّقه الحدود.
تنطفئ الأضواء، لكن الأغاني تبقى.
تبقى كجسر بين لبنان وسوريا، بين جورج نعمة وجمهوره، بين دار الأوبرا وكل من يؤمن أن الفن ليس حدثًا… بل وعدًا بالعودة.
وعدًا بأن الشام ستظل تنتظر، وأن الأصوات التي تحبها ستجد دائمًا طريقها إليها.


