كتب : حسيبة صالح -سوريا
سوريا على طاولة العالم: أسئلة الدولة والانتقال ومستقبل ما بعد الصراع
تجمع دمشق باحثين وأكاديميين من سوريا والعالم في الدورة السادسة من المنتدى السنوي للدراسات السورية المعاصرة، الذي انطلق السبت في فندق البوابات السبع (الشيراتون)، لمناقشة مستقبل الدولة السورية وتحديات المرحلة الانتقالية، من الدستور والعدالة إلى الاقتصاد والسيادة وإعادة الإعمار.
وعلى مدى ثلاثة أيام، بين 31 تشرين الأول/أكتوبر والثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، يفتح المنتدى، الذي ينظمه المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، مساحة للنقاش حول بلد يقف أمام استحقاقات تتجاوز تغيير السلطة إلى إعادة بناء المؤسسات والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
ولم تقتصر الفعاليات على تقديم الأوراق البحثية، إذ شهدت الجلسات مشاركة فاعلة من الحضور عبر الأسئلة والمداخلات والنقاش المباشر مع الباحثين، في حوار عكس اهتماماً بالقضايا المطروحة والبحث عن إجابات لأسئلة المستقبل السوري.
من سقوط النظام إلى بناء الدولة
استهل المنتدى أعماله بجلسة عن الدولة والسيادة وإعادة بناء المجال السياسي، أدارها مدير المركز الدكتور إبراهيم دراجي.
وطرح الباحث محمد حسام حافظ، في دراسته «مساعي الانتقال نحو الدولة وإخفاق السياسة»، إشكالية غياب البدائل السياسية المنظمة رغم اتساع المجال العام، معتبراً أن التحدي يكمن في تحويل الأفكار والآراء إلى برامج وقوى سياسية قادرة على المنافسة والتأثير.
وفي قراءة لجذور الصراع، تناولت الباحثة التركية توغتشه أورالر التحولات البنيوية في سوريا منذ عام 2011، ودور الإقصاء والإرث السلطوي وتفتت الحوكمة والتدخل الخارجي في إعادة تشكيل الصراع، وصولاً إلى المرحلة الانتقالية.
ومن زاوية السياسة الخارجية، بحث الباحث سمير العبد الله في كيفية توظيف الانفتاح الدبلوماسي وتخفيف العزلة بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، مشيراً إلى أن استعادة العلاقات الدولية لا تعني تلقائياً تحقيق التعافي الداخلي، ما لم تواكبها مؤسسات فاعلة وسياسات قابلة للتنفيذ والمساءلة.
تجارب دولية وأسئلة سورية
وشهد اليوم الأول محاضرة للباحثة الأميركية ويندي بيرلمان بعنوان «الدروس المستفادة من التجارب المقارنة في سياقات ما بعد الصراع وإمكانات توظيفها في مسار الانتقال السياسي في سوريا»، أدارها الباحث سامر بكور.
وتناولت بيرلمان تجارب الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، ومن النزاع إلى السلام، وإمكان الاستفادة من خبرات الدول الأخرى في فهم المسارات السورية، من دون إسقاط نماذج جاهزة على واقع مختلف في ظروفه وتعقيداته.
الدستور والعدالة في صلب النقاش
وفي جلسة الدستور وسيادة القانون والعدالة الانتقالية، التي أدارتها الباحثة أمل شربا، ناقش الأكاديمي إبراهيم دراجي المسار القانوني لإعداد دستور سوري دائم، انطلاقاً من الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025، مركزاً على المرجعية القانونية وضمانات المشاركة الشعبية.
ومن جهته، تناول فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إصلاح مجلس القضاء الأعلى وضرورة وجود رقابة دستورية مستقلة تضمن استقلال القضاء وتحد من تدخل السلطة التنفيذية.
وفي محور العدالة الانتقالية، ركز الباحث محمد درويش على تمكين المرأة، وضرورة إشراك النساء في كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، وضمان حضورهن في تصميم آليات العدالة وتنفيذها.
وأظهرت هذه الأوراق أن بناء المؤسسات القانونية لا ينفصل عن سؤال الثقة والحقوق والمشاركة، وأن شرعية الدولة الجديدة ترتبط بقدرتها على ضمان العدالة لجميع السوريين.
الجامعة ورجل الدولة واقتصاد المستقبل
وفي الجلسة الثالثة، التي أدارتها مدى شريقي، انتقل النقاش إلى دور المعرفة والقدرة المؤسسية في بناء الدولة.
وتناول الباحث أحمد قاسم حسين واقع العلوم السياسية في سوريا، من خلال دراسة كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق وتطورها منذ تأسيسها عام 2003، وصولاً إلى التحولات التي شهدتها البلاد بعد عام 2024.
وفي مقاربة للعلاقة بين المعرفة والقرار السياسي، بحث عماد العلي مفهوم «رجل الدولة»، مستنداً إلى مقاربات نظرية وسوسيولوجية، وفي مقدمها سوسيولوجيا المعرفة لدى كارل مانهايم.
بدوره، ربط الباحث مازن علي التنمية الاقتصادية بطبيعة النظام السياسي وقدرة مؤسساته على تمثيل المصالح الاجتماعية وتحويل الموارد والاستثمارات إلى سياسات تنعكس على حياة المواطنين، متناولاً قضايا البطالة والفقر والضرائب والحماية الاجتماعية.
ست دورات… ومسار يعود إلى دمشق
ويمثل المنتدى امتداداً لخمس دورات سابقة؛ أربع منها نظمها مركز حرمون للدراسات المعاصرة في إسطنبول تحت عنوان «مؤتمر الباحثين السوريين في العلوم الاجتماعية»، فيما انعقدت الدورة الخامسة في دمشق قبل عام، لتكون الأولى في سوريا بعد التحرير.
وتكتسب الدورة الحالية أهميتها من توقيتها والملفات التي تطرحها، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات بناء مؤسساتها، وصياغة دستور دائم، وإرساء العدالة، واستعادة الثقة، وإطلاق عملية التعافي الاقتصادي.
كما أن مشاركة الحضور في النقاشات والمداخلات منحت المنتدى بعداً يتجاوز تقديم الأبحاث إلى فتح حوار عام حول مستقبل البلاد، في ظل تعدد الرؤى والمقاربات.
فالمسألة لم تعد كيف تطوي سوريا صفحة الماضي فحسب، بل كيف تكتب الصفحة التالية من دون أن تستنسخ أخطاءه. وبين البحث والحوار والسياسة، يبقى الاختبار الحقيقي أن تصبح الدولة ملكاً لجميع مواطنيها، وأن يكون لهم جميعاً حق المشاركة في صياغة مستقبلها
