كتب : دينا كمال
العدالة الانتقالية ومسارات السلم الأهلي: قراءة سورية في ضوء التجارب الدولية”
تفتتح صالون تاء مبسوطة الثقافي جلسته الحوارية حول العدالة الانتقالية كجسر نحو السلم الأهلي في سوريا، بإدارة الإعلامية ديانا جبور التي منحت اللقاء إيقاعًا هادئًا ومساحة رحبة للتفكير، فبدت الجلسة كأنها محاولة جماعية لإعادة ترتيب الذاكرة السورية، وفهم الطريق الذي يمكن أن يقود إلى دولة مدنية ديمقراطية تحمي كرامة مواطنيها.
✦ صوت جمانة سيف… العدالة بوصفها شفاءً جماعيًا
قدّمت المحامية والناشطة الحقوقية جمانة سيف رؤية واسعة للعدالة الانتقالية، مؤكدة أنها ليست مجرد محاسبة، بل منظومة كاملة تشمل:
• الاعتراف بالضحايا
• كشف مصير المفقودين
• توثيق الذاكرة الجماعية
• جبر الضرر
• إصلاح المؤسسات
• منع تكرار الانتهاكات
وشدّدت على ضرورة الاعتراف بـ العنف الجنسي بوصفه جريمة ضد الإنسانية، لا مجرد أثر جانبي للحرب، معتبرة أن تجاهل هذا النوع من الانتهاكات يخلق عدالة ناقصة لا يمكن أن تبني سلمًا أهليًا مستدامًا.
ثم انتقلت إلى تجربة رواندا، معتبرة أنها واحدة من أهم النماذج التي يمكن للسوريين الاستفادة منها.
رواندا، التي خرجت من إبادة جماعية، اختارت أن تواجه الحقيقة بدل دفنها، وأن تُشرك المجتمع في العدالة عبر محاكم الغاتشا،
تقول سيف إن هذه التجربة تُظهر أن السلم الأهلي لا يولد من النسيان، بل من الاعتراف، وأن العدالة الانتقالية يمكن أن تكون الطريق نحو مستقبل لا يعيد إنتاج الألم.
جمانة سيف محامية وناشطة حقوقية سورية، ولدت في دمشق عام 1970، وبدأت نشاطها مطلع الألفية بعد اعتقال والدها المعارض رياض سيف.
عملت على الدفاع عن معتقلي الرأي والمختفين قسرًا، وغادرت سوريا عام 2012 لتستقر في برلين، حيث واصلت نشاطها القانوني الدولي.
شاركت في تأسيس منظمات نسوية وسياسية، ولعبت دورًا محوريًا في دعم الناجين خلال محاكمة الخطيب في كوبلنز، أول محاكمة عالمية تحاسب مسؤولًا سابقًا في النظام السوري على جرائم التعذيب وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية.
الجلسة لم تكن محاضرة فقط، بل كانت ساحة أسئلة، وكل مداخلة جاءت كأنها قطعة من الصورة التي تحاول سوريا رسمها لنفسها.
حنان الحموي – عضو مجلس المرأة السورية
تقول الحموي إن النساء كنّ في قلب الانتهاكات، وبالتالي يجب أن يكنّ في قلب الحل.
وهنا يلتقي صوتها مع تجربة رواندا، حيث لعبت النساء دورًا محوريًا في بناء السلم الأهلي بعد الإبادة.
إنها دعوة لأن تكون المرأة جزءًا من ضمانات عدم التكرار، لا مجرد شاهدة على الماضي.
خزامى الجندي – باحثة في العدالة الانتقالية
تُعرّف الجندي العدالة الانتقالية بأنها إجراءات وقوانين تُنفَّذ عبر آليات واضحة للوصول إلى السلم الأهلي، مؤكدة ضرورة النظر إلى الجانب الاقتصادي.
وهنا يلتقي صوتها مع رواندا أيضًا، التي أدركت أن العدالة لا تكتمل دون اقتصاد يعيد توزيع الفرص ويمنع إعادة إنتاج الظلم.
الدكتور جلال نوفل – طبيب نفسي
يقدّم نوفل قراءة نقدية لتاريخ الدولة السورية، معتبرًا أنها لم تكن دولة مؤسسات، بل دولة شمولية تُدار بمنطق الحزب الواحد.
يرى أن جزءًا من ضياع الحقوق اليوم يعود إلى تساوي السرديات، حيث تختلط الحقيقة بالرواية السياسية.
وهنا يلتقي صوته مع رواندا التي اختارت أن تفصل بين السرديات عبر كشف الحقيقة علنًا، كي لا تضيع الذاكرة مرة أخرى.
إياد السمان – صحفي
يطرح السمان سؤالًا جوهريًا:
كيف يمكن أن نبدأ العدالة الانتقالية دون إعادة تعريف الثورة؟
يقول إن الانقسامات لن تُحلّ ما لم يتفق السوريون على أنها كانت ثورة شعبية.
وهنا يلتقي صوته مع رواندا التي أعادت تعريف هويتها الوطنية بعد الإبادة، لتبدأ من نقطة واضحة لا لبس فيها.
أنور حمودة – اقتصادي
يركّز حمودة على مفهوم الثقة، معتبرًا أنها الشرط الأول لأي عدالة انتقالية ناجحة.
يقول إن بناء الدولة يبدأ من بناء الحوار، وإن الحوار لا يمكن أن يستمر دون ثقة متبادلة بين المجتمع والمؤسسات.
وهنا يلتقي صوته مع رواندا التي أعادت بناء الثقة عبر إشراك المجتمع في العدالة نفسها.
تختتم الجلسة على فكرة واحدة تتكرر في كل المداخلات:
أن العدالة الانتقالية ليست ورقة قانون، بل رحلة طويلة نحو شفاء جماعي، نحو إعادة تعريف سوريا بوصفها دولة مواطنة لا دولة خوف، ونحو بناء سلم أهلي لا يقوم على النسيان بل على الحقيقة.
تجربة رواندا لم تكن مجرد مثال، بل كانت مرآة.
مرآة تقول إن الشعوب التي تواجه ماضيها بشجاعة تستطيع أن تبني مستقبلًا لا يشبه جراحها.
وفي هذا اللقاء، بدا واضحًا أن السوريين لا يبحثون فقط عن العدالة، بل عن بداية جديدة… بداية تُكتب بذاكرة صادقة، ومؤسسات عادلة، وثقة تُبنى حجرًا فوق حجر، حتى يصبح الطريق نحو السلم الأهلي طريقًا قابلًا للمشي فعلًا.

