كتب : أ. إدريس احميد — صحفي وباحث سياسي
الحرب الروسية الأوكرانية.. منعطف خطير وإثبات وجود
دخلت الحرب الروسية الأوكرانية منعطفاً جديداً بعد أكثر من أربعة أعوام من القتال،
بعدما تحولت من عملية عسكرية كان يُعتقد أنها ستحسم سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة،
تؤكد أن التفوق العسكري وحده لم يعد كافياً لحسم الحروب الحديثة.
تواجه أوكرانيا صعوبات متزايدة أمام التقدم الروسي، ولذلك تستخدم كل الوسائل المتاحة لوقفه،
من المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى إلى استهداف منشآت الطاقة والاقتصاد الروسي في العمق،
في محاولة لرفع كلفة الحرب ودفع موسكو نحو التسوية.
وفي المقابل، تواجه روسيا هي الأخرى صعوبات وتكاليف كبيرة.
وربما لم تكن تتوقع أن تستمر «العملية العسكرية» كل هذه السنوات،
وأن تتحول إلى حرب استنزاف بهذا الحجم. وهكذا أصبح الوقت سلاحاً بحد ذاته، يراهن عليه كل طرف لإضعاف الآخر.
أوروبا.. عامل حاسم في صمود أوكرانيا
لا يمكن تفسير صمود أوكرانيا طوال هذه السنوات من دون الدعم الأوروبي والغربي،
الذي وفر لكييف الأسلحة والذخائر والدفاع الجوي والدعم المالي والاستخباراتي والتقني.
وتبرز بريطانيا وفرنسا في مقدمة الداعمين الأوروبيين،
وتتعامل لندن بصورة خاصة مع الحرب باعتبارها قضية أمن قومي ومصيرية بالنسبة إلى أوروبا.
ومن هنا لم تعد الحرب، في الواقع، مجرد مواجهة بين روسيا وأوكرانيا؛
فموسكو تواجه أوكرانيا مدعومة بقوة من دول الناتو والغرب، ما يجعل الصراع، من المنظور الروسي،
جزءاً من مواجهة أوسع مع المنظومة الغربية، رغم أن الناتو لا يخوض حرباً مباشرة مع روسيا.
ترامب وأوروبا.. تباعد داخل المعسكر الغربي
عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض غيرت المعادلة.
فقد أصبح أكثر ضغطاً على الأوروبيين لتحمل مسؤولية أمنهم ودعم أوكرانيا،
بينما تحاول واشنطن الدفع نحو إنهاء الحرب وإعادة ترتيب أولوياتها الدولية.
وهنا ظهرت مفارقة واضحة: أوروبا تريد استمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا،
بينما ترى إدارة ترامب أن على الأوروبيين تحمل عبء أكبر من مسؤولية الدفاع عن القارة.
وظهر هذا التباعد أيضاً في التعامل الأوروبي مع الحرب الأميركية على إيران،
حيث لم تكن العواصم الأوروبية مستعدة للانخراط فيها بالطريقة التي أرادتها واشنطن.
وهو ما يكشف أن العلاقة بين الطرفين دخلت مرحلة جديدة من اختلاف الأولويات والمصالح.
هل تستطيع أوروبا تحمل كلفة الحرب؟
هذا هو السؤال الأصعب.
أوروبا تستطيع مواصلة دعم أوكرانيا،
لكنها لا تستطيع بسهولة تعويض الولايات المتحدة في كل المجالات العسكرية،
خاصة الدفاع الجوي والاستخبارات وبعض القدرات المتقدمة.
وتواجه بريطانيا تحديداً ضغوطاً اقتصادية وحاجة إلى تطوير قدراتها الدفاعية،
رغم أنها تدفع بقوة نحو استمرار دعم أوكرانيا وتعتبر مواجهة روسيا قضية استراتيجية ومصيرية.
وبالتالي تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة:
دعم أوكرانيا، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ومواجهة الضغوط الاقتصادية والطاقة،
في وقت تتراجع فيه المساندة الأميركية المباشرة.
الحرب تنتقل إلى الاقتصاد والطاقة
ومع صعوبة الحسم على الجبهة، أصبحت الطاقة والاقتصاد جزءاً أساسياً من الحرب.
أوكرانيا تستهدف المصافي والمنشآت النفطية ومستودعات الوقود الروسية في العمق،
في محاولة لإضعاف الاقتصاد الذي يمول الحرب. وفي المقابل،
تحاول روسيا الحفاظ على إنتاجها وصادراتها والاستفادة من اضطراب أسواق الطاقة.
وهكذا تحولت الحرب إلى استنزاف متعدد الجبهات: عسكري واقتصادي وتكنولوجي،
لا يقتصر تأثيره على روسيا وأوكرانيا، بل يمتد إلى أوروبا والأسواق العالمية.
القوة وحدها لا تحسم الحرب
المتغير الأهم أن الحروب الحديثة لم تعد تحسم بالسلاح التقليدي وحده.
فالمسيّرات والصواريخ بعيدة المدى والحرب الاقتصادية والطاقة أصبحت أدوات مؤثرة في نتيجة الصراع.
وهنا يمكن ملاحظة تشابه، رغم اختلاف الظروف،
مع الحرب الأميركية على إيران؛ فالقوة العسكرية الكبيرة لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الحرب سريعاً،
لأن طول الصراع يفرض كلفة اقتصادية وسياسية على الدولة نفسها وعلى حلفائها.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو هذا الأسبوع دلالة لافتة.
فقد أجرى، وفق الكرملين، اتصالات مع مسؤولين في الاستخبارات الروسية من دون لقاء الرئيس فلاديمير بوتين،
بينما أفادت تقارير أميركية بأن الزيارة تضمنت تحذيراً لموسكو من اختبار حلف الناتو أو مهاجمة أحد أعضائه،
في وقت تؤكد فيه إدارة ترامب أنها تريد إنهاء الحرب في أوكرانيا.
وهذه الزيارة، بحد ذاتها، تعكس أن قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو لا تزال مفتوحة،
حتى في ظل التصعيد العسكري والجمود السياسي،
وأن الصراع بات يتداخل مع حسابات أوسع تتعلق بأمن أوروبا وتماسك الناتو.
ولهذا فإن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد اختباراً لقدرة روسيا وأوكرانيا فقط،
بل اختبار لقدرة أوروبا على الصمود وتحمل كلفة دعم أوكرانيا في ظل تراجع الدور الأميركي.
ويبقى السؤال الأهم:
هل يقود هذا التصعيد، وتغيّر أدوات الحرب، إلى إنهاك الطرفين وفرض تسوية تنهي الحرب؟
أم أن العناد والتشدد، مع إصرار كل طرف على تحسين موقعه،
سيجعل الصراع يستمر حتى هزيمة أحد الطرفين أو تراجعه؟
فالحرب دخلت مرحلة لا يبدو فيها النصر العسكري سهلاً، لكن السلام أيضاً لا يبدو قريباً.
وبين هذين الخيارين يبقى عامل الوقت هو الحكم:
إما أن يفرض الاستنزاف حلاً سياسياً، أو أن يقود التشدد إلى تصعيد أكبر ونتيجة أكثر قسوة على أحد الطرفين.

