كتب : أ.إدريس احميد
رفع “سوريا” من قائمة الإرهاب الأمريكية
بعد 47 عاماً، ألغت الولايات المتحدة تصنيف سوريا دولةً راعية للإرهاب. القرار مهم سياسياً واقتصادياً، لكنه يطرح
سؤالاً أكبر: ما الذي تغيّر في سوريا حتى تغيّر موقف واشنطن؟ وهل تغيّر المعيار أم تغيّرت المصالح؟
قبل ذلك، ما هو الإرهاب؟ رغم عشرات الاتفاقيات الدولية، لم يتفق العالم على تعريف شامل وموحد للإرهاب،
وأصبح المصطلح في كثير من الأحيان محل خلاف سياسي. فاستهداف المدنيين ونشر الرعب لتحقيق أهداف
سياسية يجب أن يكون مرفوضاً أياً كان الفاعل، لكن لا ينبغي الخلط بين الإرهاب وبين مقاومة الاحتلال وحق
الشعوب في تقرير مصيرها، مع الالتزام بحماية المدنيين والقانون الدولي.
وتبقى القضية الفلسطينية نموذجاً صارخاً لهذا الإشكال. فقد عانى الفلسطينيون عقوداً من الاحتلال والقتل
والتهجير، بينما اختلفت مواقف الدول الكبرى تجاه أفعال الأطراف المتصارعة. وهنا يبرز السؤال: هل توجد معايير
واحدة للإرهاب، أم أن القوة والتحالفات تحددان أحياناً من هو الإرهابي ومن هو المقاوم؟
أما سوريا، فقد أدرجتها واشنطن عام 1979 بسبب سياساتها الإقليمية وعلاقاتها مع قوى وحركات صنفتها
الولايات المتحدة إرهابية، إضافة إلى موقعها في الصراع العربي الإسرائيلي وتحالفاتها الدولية. ولا يعني ذلك
تجاهل الاستبداد والقمع والانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق؛ فهذا ملف آخر، لكن التصنيف الأمريكي كان
مرتبطاً أساساً بالسياسة الخارجية السورية.
اليوم سقط نظام الأسد، وجاءت سلطة جديدة أكثر انفتاحاً على الولايات المتحدة والغرب، فأُزيل التصنيف.
وهنا السؤال الجوهري: هل تغيرت سوريا إلى درجة تجعل ما كان يُعد سابقاً سبباً لتصنيفها غير موجود، أم أن الذي
تغير أساساً هو ميزان المصالح والتحالفات؟
إذا كان الإرهاب معياراً ثابتاً، فلماذا يتغير الحكم على الدولة مع تغير السلطة والتحالفات؟ وإذا كان التصنيف
مرتبطاً بالسلوك، فهل يكفي سقوط نظام سياسي لتغيير الحكم على الدولة؟
ثم هناك اختبار أكثر حساسية: ماذا سيكون موقف واشنطن إذا تعرضت سوريا لاعتداء إسرائيلي، أو حاولت
الدفاع عن أراضيها المحتلة وسيادتها؟ هل ستدعم حق سوريا في الدفاع عن نفسها، أم ستعتبر المواجهة تهديداً لأمن إسرائيل؟
هنا تظهر قضية ازدواجية المعايير.
إن إخراج سوريا من القائمة قد يكون خطوة مفيدة للسوريين، ويفتح أبواباً للتعافي وإعادة الإعمار
والاستثمار، لكن فائدته لا تلغي السؤال السياسي والأخلاقي الأكبر:
هل تغيّر تعريف الإرهاب، أم تغيّرت المصالح الأمريكية؟
فإذا كان استهداف المدنيين إرهاباً عندما ترتكبه جماعة، فيجب أن يكون كذلك عندما ترتكبه دولة. وإذا كان
الاحتلال مرفوضاً، فينبغي ألا تتغير القاعدة بسبب قوة المحتل أو تحالفاته.
الإرهاب يجب أن يُقاس بالفعل لا بالهوية، وبالقانون لا بموازين القوة. وإلا بقي السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام
معيار دولي ثابت للإرهاب، أم أمام منطق القوة الذي يحدد من هو الإرهابي ومن هو الحليف؟
أ.إدريس احميد ..صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي

