كتب : بقلم - منى عبدالرزاق
أن يعيش الإنسان مسلوب الحياة
استوقفتي في مقال زميلتي الكاتبة أمينة الرويعي قراءتها الثاقبة لشخصيتي “عامر” و “نواف” في رواية سندباد الأعمى لبثينة العيسى، إذ رأت في عامر ضحية صمته، وفي نواف ضحية غضبه.
غير أني في هذه السطور، لا أسعى إلى تفنيد رؤيتها أو إبراء ذمة أحد، بقدر ما أسعى إلى الاقتراب من زاوية مغايرة علاقة الصداقة الفريدة التي صهرت روح الشابين، وجعلت كلا منهما يحفظ الآخر عن ظهر قلب، كأنهما توأم لا تفترق أرواحهما.
في علاقة بهذا العمق والثقة المطلقة، يصبح صمت “عامر” خيانة صريحة بل إن بقاءه قريبا من “نواف” وهو يحمل مشاعر لم تمت تجاه ناديا، وإفصاحه لها في لحظة ضعف عن مشاعره تجاهها هو خيانة مضاعفة. فالشعور الذي دفع “نواف” إلى ارتكاب جريمته لم يكن مجرد غيرة جسدية عابرة في لحظة غضب أو شك، بل كان رد فعل على خيانة أكيدة للأمان والثقة ذاتها؛ خيانة للصداقة التي لا تستقيم إلا بالصدق المطلق.
عندما قتل “نواف” ناديا في لحظة هياج، ثم لم يغفر لعامر، وعاد ليقتله بعد حين لم يكن ينتقم لجسد خان بل كان ينتقم لروح خانت وخذلت وكسرت الأمان وأنا هنا لا أبرر القتل أو أخفف من وطأته وفداحته، ولكن أحاول تسليط الضوء على أن من يقتل الصداقة، يقتل الثقة والأمان في نفسه خيانة الصديق تعدل موتا في كثير من الأحيان، لما تتركه من فراغ في الروح والقلب والعقل.
لم يقتل نواف ناديا وعامر فقط، بل قتل نفسه حين دفن مشاعره في الماضي، وتجرد من إنسانيته تجاه ابنته الوحيدة، وماتت في قلبه القدرة على بناء أسرة أو صداقة جديدة. فبعد قتل حبيبة العمر وصديق الروح، تحول جسده إلى قبر يمشي، وهو يحمل خيانة أقرب الناس إليه بين جنبيه.
وهنا يقفز السؤال الأنقل من قتل نواف؟
لم يقتله عامر بسكين، ولم تقتله ناديا بخيانتها وحدها قتله ذلك الفراغ المدمر الذي تركته الثقة المهدومة في قلبه الحب الذي غادره، بعد أن تشوه بالغدر، حوله إلى ظل يمشي بين الأحياء؛ حيا في جسده، لكنه مسلوب الحياة.
وما أقسى أن يعيش المرء دهرا من العمر، وهو ميت الروح

