كتب : د . فرات البسام
الصعاليك
د. فرات البسام
إنَّ الخروج على المألوف صفةٌ من صفات الصعاليك؛ لأنَّ الصعاليك فرقةٌ تعبّر عن انتمائها بالفوضى، وليست تنتمي للفقر فقط، وقد انتشرت في عهود متفرقة ولكن كانت بعينها، ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً تعرفت على ذلك الشخص الصعلوك، الذي تجنبه الناس دوماً لمكره، لكني كنت عارفاً بحيله، وهو يعلم جيداً أنني أعرف حيله، وإن عرفت فضحته، فأصبح يتجنب صعلكته أمامي. افترقنا ثم بعد سنين التقيت به بالصدفة، فقال: هل تتذكرني؟ فقلت له: هل الشيب ينسيني الفوضى والصعلكة التي كنت تعيش فيها وتجعلها لمن حولك؟ صمت وقال: هذا كان سابقاً، فقال: المهم الآن الفوضى أهم وأجدى من اللباقة أحياناً! لقد دار الزمان وتطورت الصعلكة وأصبحت جزءاً من السياسة، أصبحنا نعمل الفوضى لإرضاء من حولنا وكسب المال، وأصبح! ولكن العجب أن رفيقنا الصعلوك يتطور مع حداثة النظرية الجديدة. لكن انبريت له متسائلاً: وهل تحرق الأخلاق والمبادئ والقيم مع الأرض والنساء والشيوخ والأبرياء، أم تحرق الحضارة والتاريخ والتراث!! فإذا ذهبت كل تلك المفاهيم والتاريخ فاعلم أنك أول المتضررين لأنك لا تستطيع إعادتها لأبنائك وأحفادك… قلت له: أتعرف لماذا أرد عليك عندما تتواصل معي؟ فقال: لا، لماذا؟ قلت له: لأنك صعلوك نبيل وليس من أولئك الحمقى، وأشبهك بملك الصعاليك (عروة بن الورد) الذي كان يسرق ويطعم الفقراء رغم أنني لا أبرر أفعاله، وقلت له: قال عنه عبدالملك بن مروان: (ما يسرني أنَّ أحداً من العرب ولدني إلا عروة بن الورد، لقوله):
إِني امرؤٌ عافي إِنائي شركةٌ … وأنتَ امرؤٌ عافي إِنائكَ واحدُ
أتهزأُ مني أن سمنتَ وأن ترى … بوجهي شحوبَ الحقِّ والحقُّ جاهدُ
أقسمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ … وأحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ
لكن صعاليك اليوم.. لا فكراً، لا شعراً، لا أدباً، لا خلقاً، ولا فائدة تضاف للمجتمع. وقد كتب علماء اللغة في معاجمهم ببلاغة. عن الصعلكة، وسجلوا عن الضمور والانجراد. فالإبل تتصعلك إذا انجردت أوبارها وطرحتها، والخيل تتصعلك إذا دقت وطار عفاؤها عنها. ولكن ماذا عن صعاليك البشر؟ إن كان عليّ القول لهم عن الصعاليك الجدد، أن يشحذوا همّة عروة بن الورد ولكن بأخلاقهم.

