كتب : حمزة علاوي
دراسة نقدية لقصيدة (ماذا اقول..)
للشاعرة البحرينية “د. سيما حقيقي”
بقلم الدكتور حمزة علاوي
كلية الفنون الجميلة – جامعة المستقبل
العراق.
مَاذَا أَقُولُ…
بقلم : د. سيما حقيقي
مَاذَا أَقُولُ…
وَأَنْتَ تَعْلَمُ
أَنِّي أُحِبُّك
أَكْثَرَ مِنِّي…
وَأَنْتَ تَعْلَمُ
أَنَّ هَوَاكَ
أَعْمَقُ مِنَ الْوَصْفِ
فِي وِجْدَانِي
مَاذَا أَقُولُ…
وَحُبِّي إِلَيْكَ
أَصْدَقُ مِنَ الْحُلْمِ
وَالْأَزْمَانِ
كُلُّ حُرُوفِي
إِذَا لَامَسَتْكَ
تَذُوبُ خَجَلًا
وَتَنْسَانِي
وَيَضِيقُ حَرْفِي
وَيَضِيعُ صَوْتِي
وَيَخْذُلُنِي
نَبْضُ بَيَانِي
أُنَادِيكَ عِشْقًا…
فَتَكْبُرُ فِيَّ
مَوَاوِيلُ شَوْقٍ
وَأَلْحَانِي
وَأُرَتِّبُ اسْمَكَ
بَيْنَ الضُّلُوعِ
فَلَا يَكْفِيهِ
خَفْقُ كِيَانِي
تُنَادِينِي…
فَأَقُولُ: نَعَمْ
وَلَكِنَّ نَعَمْ
لَيْسَتْ تُسَاوِي
بَعْضَ الَّذِي
فِيَّ مِنَ الْحُبِّ
وَالْأَشْجَانِ
فَمَاذَا أَقُولُ
يَا سَيِّدَ الْقَلْبِ
يَا فَرْحَةَ الْعُمْرِ
وَإِيمَانِي
وَيَا أَقْرَبَ النَّاسِ
مِنْ أَضْلُعِي
وَمِنَ الضَّوْءِ
فِي أَجْفَانِي
إِذَا كُنْتَ تَسْكُنُ
بَيْنَ أَنْفَاسِي
وَبَيْنَ الدُّعَاءِ
وَشِرْيَانِي
فَخُذْ مَا تَبَقَّى
مِنَ الْحَرْفِ إِنْ
عَجَزَ الْحَرْفُ
يَوْمًا
عَنِ التَّبْيَانِ
فَقَلْبِي…
يُحِبُّكَ
حَتَّى يَغِيبَ
بِكُلِّ الْهَوَى
فِيكَ…
وَيَنْسَانِي
يحمل عنوان قصيدة الشاعرة د. سيما حقيقي (ماذا اقول) دلالة ومفارقة درامية توحي بالعجز عن القول وتمهد للمتلقي الطريق لمعرفة الصراع الداخلي عند قراءة النص.
يعكس العنوان حالة الارتباك والتوتر العاطفي، وطريقة التساؤل والتشويق ويجعل المتلقي في حالة تأهب لمراقبة الحدث في النص،زوعليه تستجوب الشاعرة ذاتها من خلال قراءة وفك شفرة العنوان.
(مَاذَا أَقُولُ…
وَأَنْتَ تَعْلَمُ
أَنِّي أُحِبُّكَ
أَكْثَرَ مِنِّي)
تعبر المفردات /انت،اني،مني/ عن حالة الذات والوجود الداخلي،وانتقال الرؤية البصرية من صورة المحبوب -احبك-الى رؤية الذات -مني-وهذا مايحقق الذوبان الروحي،
ومنح النص حركة ديناميكية.يعد السؤال -ماذا اقول- نقطة التحول البصري ومحرك الصور الشعرية، والتحول من الصمت الى البوح، وخلق تباين بصري بين الشاعرة المتكلمة والمخاطب.
عملت الشاعرة على تحول الصورة الشعرية من المجرد -الاحساس الداخلي- الى المقياس المادي،وتجاوز الذات حدود الإنانية. يعد هذا السؤال استفهام بلاغي
:تسأل وتعرف الجواب مسبقاً ولاتنتظر المتلقي؛وكان غرض الشاعرة الخروج من التساؤل وصولا الى دلالات نفسية وعاطفية.
(وَأَنْتَ تَعْلَمُ
أَنَّ هَوَاكَ
أَعْمَقُ مِنَ الْوَصْفِ
فِي وِجْدَانِي)؛
تحمل عبارة -انت تعلم-دلالة الاثارة العاطفية والمشاركة الوجدانية.تنوع الجمل الرومانسية تركيبيا
،تعبيريا وفنيا يخلق ايقاعا عاطفيا متدرجا يأسر المتلقي:فالجملة الاسميه تمنح النص استقرارا وثباتا،
والفعلية تعزز الحركة والحيوية، والانشائية تظهر الانفعالات القوية وتكسر الكتابة التقريرية، فهذه الجمل القصيرة تعمل على زيادة ايقاع القصيدة،
اما شبه الجملة تعمل على دمج المكان والزمان داخل النص، وكان هدف الشاعرة من هذه التنوع خلق ايقاعات موسيقية داخلية تتوافق والحالة الشعورية
واستمرار الحوار بينها وبين المتلقي. تركز الشاعرة على الباطن لتعزيز المعنى، فالوصف هو الجسد والصورة الحسية والمرئية، اما الباطن فهو الانعكاس النفسي.
(مَاذَا أَقُولُ…
وَحُبِّي إِلَيْكَ
أَصْدَقُ مِنَ الْحُلْمِ
وَالْأَزْمَانِ)؛
تتخذ من التكرار -ما ذا اقول ..- دلالة التعبير عن الحيرة والتردد، وعن اللازمة الاستفهامية التي تشبه ترنيمة
الاغاني في خلق توتر درامي وموسيقى داخلي، وكاداة للتعبير عن الهوس الداخلي .
تستخدم الشاعرة ثنائية المد والجزر الايقاعي من خلال مفردتي (اهواك) عن الشوق- الجزر- و(احبك) عن الوصال- المد.تعد النقاط (…)بعد السؤال علامة
سيميائية وانزياح تركيبي بصري صوتي يمنح المتلقي مساحة من التأمل.
تستخدم الجناس الاشتقاقي ما بين(حبي واحبك) لما له من فيص عاطفي ودلالة موسيقية تمنح النص تموجا عاطفيا.
(كُلُّ حُرُوفِي
إِذَا لَامَسَتْكَ
تَذُوبُ خَجَلًا
وَتَنْسَانِي
وَيَضِيقُ حَرْفِي
وَيَضِيعُ صَوْتِي
وَيَخْذُلُنِي
نَبْضُ بَيَانِي،)؛
منحت الشاعرة حروفها أحساسا بشريا مفعم بالخجل ،وهذا ما يحقق تحول الصورة الشعرية من المادي
الى الحسي. تتخذ من-تنساني-دلالة غلبة العاطفة على العقل وذوبان الذات في المحبوب
.يعد النسيان هروب من الواقع الرومانسي،والتسامي الروحي والتحرر من الزمان والمكان لذكريات الحب. تعبر ثنائية الخجل والنسيان عن الاندماج العاطفي
،فكلاهما يعطلان التفكير المنطقي والعقلاني لصالح الخيال والعاطفة. يظهر النص أتحاد الشكل (الحروف والصوت)مع المضمون (الشعور بالخذلان)
.تعبر جملة -يضيق حرفي،ويضيع صوتي-عن ازمة الشاعرة الوجودية والنفسية،
وعجزها في التعبير عم يختلج في روحها. توظف -ويخذلني نبض بياني -كدلالة للتعبير عن الاستنزاف النفسي والوصول الى مرحلة الصمت الاجباري لشدة الموقف.
(أُنَادِيكَ عِشْقًا…
فَتَكْبُرُ فِيَّ
مَوَاوِيلُ شَوْقٍ
وَأَلْحَانِي
وَأُرَتِّبُ اسْمَكَ
بَيْنَ الضُّلُوعِ
فَلَا يَكْفِيهِ
خَفْقُ كِيَانِي)؛
توظف -اناديك-كاداة تعكس الرغبة في التواصل وكسر جدار الصمت .تتخذ من العشق والشوق محركا داخليا، نفسيا وجدانيا: فالعشق هو الاندماج الروحي
مع المحبوب، والشوق هو الألم النفسي والوصال الناتج من البعد والقرب. تمنح الثنائية التضادية بين العشق(الثبات) والشوق(الحركة المستمرة)
النص حركة ديناميكية تعكس التوتر العاطفي للشاعرة.تمثل ثنائية -المواويل والالحان- بنية ايقاعية في النص فالمواويل
:ايقاعات داخلية خفية نابعه من العاطفة؛ والالحان ايقاعات خارجية واصوات انسيابية
تمهد للمتلقي تقبل الانفعالات،وهذه الثنائية تزيل الحدود بين الشكل والمضمون في القصيدة، والعمل على تدفق المشاعر الوجدانية.تمكنت الشاعرة
من خلق جدلية دلالية بين السكون والثبات(الضلوع) سيميائية ونبرة موسيقية ،فهي استجابة انفعالية تظهر العجز اللفظي امام فيض المشاعر:
فنعم الأولى استجابة،والثانية استدراكية، و كلاهما من تقنيات الكتابة، فالاولى تتفاعل مع الفكرة؛
بينما الثانية العودة لتصحيح مسار الفكرة.توظف الشاعرة أسلوب المقابلة بين الثنائية المتناقضة :نعم تمثل الاثبات الظاهري
، والحب، والاشجان تمثل العمق الداخلي لبيان المعنى وشدة التأثير .
(فَمَاذَا أَقُولُ
يَا سَيِّدَ الْقَلْبِ
يَا فَرْحَةَ الْعُمْرِ
وَإِيمَانِي والحركة (الخفق) التي تعكس حالة التوتر لديها: جدلية القيد الضلوع والحركة الخفق. تتخذ من العبارة-
فلا يكفيه خفق كياني-دلالة تحول الألم النفسي الى حركة ايقاعية مستمرة في الجسد،وبالتالي تمكنت
الشاعرة من تحويل الصورة المادية-الجسد او الكيان- الى صورة حسية -النبض؛هذا التحول عمل على الانعكاس النفسي الداخلي للشاعرة.
(تُنَادِينِي…
فَأَقُولُ: نَعَمْ
وَلَكِنَّ نَعَمْ
لَيْسَتْ تُسَاوِي
بَعْضَ الَّذِي
فِيَّ مِنَ الْحُبِّ
وَالْأَشْجَانِ)؛
تعد كلمة -نعم-استجابة
وَيَا أَقْرَبَ النَّاسِ
مِنْ أَضْلُعِي
وَمِنَ الضَّوْءِ
فِي أَجْفَانِي)؛
تتخذ من تكرار النداء(يا)استدعاء حضور المحبوب في الصورة الذهنية والخيالية للشاعرة.يعكس تعدد الصفات بعد النداء :(القلب) العاطفة والانفعال،(العمر )الزمن و(الايمان)الغاية -رغبة الشاعرة في تحول الصورة المجردة الى صورة حسية،كل ذلك يعبر عن استغاثة الشاعرة واظهار قوتها العاطفية، واطالة البوح ،فضلا عن انها ايقاعات شعورية وموسيقىية تتناسب مع مكان وزمن القصيدة. تمنح الشاعرة النص تحولات صورية ما بين الاضلاع والضوء؛من الاحساس الداخلي-الضلوع الى الاحساس الخارجي المرئي-الضوء على الاجفان، وهذا من البديعيات -المقابلة، فضلا عن ان الرؤية البصرية والحسية اصبحت مرهونة بحضور المحبوب،كل ذلك يشير الى انه لا يوجد فاصل زماني ومكاني بين العاشق والمعشوق، لان الشاعرة تدمج المكان (الاضلاع) والزمان( حركة الاجفان) لتؤكد ان المحبوب هو الواقع الذي تعيشه وملاذها الآمن .
( إِذَا كُنْتَ تَسْكُنُ
بَيْنَ أَنْفَاسِي
وَبَيْنَ الدُّعَاءِ
وَشِرْيَانِي
فَخُذْ مَا تَبَقَّى
مِنَ الْحَرْفِ إِنْ
عَجَزَ الْحَرْفُ
يَوْمًا
عَنِ التَّبْيَانِ
فَقَلْبِي…
يُحِبُّكَ
حَتَّى يَغِيبَ
بِكُلِّ الْهَوَى
فِيكَ…
وَيَنْسَانِي)؛
تمكنت الشاعرة ان توافق بين الزمان(اذا) والمكان (الانفاس- حيوي،الشريان- جسدي والدعاء- روحي) ، فضلا عن تحقيق تحول الدلالات من البعد الوجودي (الانفاس)،الى البعد الروحي (الدعاء) وصولا الى الاندماج الجسدي (الشريان)؛ كل هذه تعبر عن التآلف والتأمل بين المحبوب والشاعرة.تتخذ من(عجز الحرف)الصدق الروحي، ومن (بقايا الحرف) دلالة انزياح المعنى،فالشاعرة تبحث عن لغة خفية تتجاوز الحروف المألوفة،وهذا مايترك مساحة امام المتلقي للبحث عن اللامرئي.تشير ثنائية (يغيب-فعل ارادي/ وينساني فعل وجودي) الى دلالة فقدان الوعي في الذات.

