كتب : يسرا عبدالعظيم
لأول مرة منذ قرن.. “فتيات الشوكولاتة” لإدغار مونك تغادر جدران المصنع إلى متحف أوسلو لتروي تاريخ العمال والنساء
أوسلو —
للمرة الأولى في تاريخها، غادرت اللوحات الجدارية الشهيرة “فتيات الشوكولاتة” للفنان النرويجي العالمي إدغار مونك جدران مقصف مصنع الشوكولاتة العريق “فريا” (Freia)،
لتعرض أمام الجمهور العريض في متحف مونك بالعاصمة النرويجية أوسلو، في حدث فني وثقافي استثنائي يستمر حتى شهر أكتوبر المقبل.
ويأتي هذا النقل المؤقت للأعمال الفنية الـ12 بسبب أعمال التجديد التي يخضع لها المصنع حالياً،
ليتيح للعامة فرصة نادرة لمشاهدة هذه الجداريات عن كثب، مصحوبة بمجموعة غنية من الرسومات التخطيطية، والوثائق الأرشيفية التي تؤرخ لتلك الحقبة.
اشتهر إدغار مونك عالمياً بلوحته الأيقونية “الصرخة” (رُسمت عام 1893)، لكن شغفه بالفن لم يقتصر على صالات العرض النخبوية؛
بل كان مؤمناً بضرورة دمج الفن في الفضاءات العامة ليعيش بين الناس. وتعد جدارية مصنع “فريا” واحدة من عملين فنيين عامين فقط
نفذهما الفنان طوال حياته (إلى جانب جدارية “أولا” في قاعة جامعة أوسلو).
وتعود قصة هذه اللوحات إلى عام 1922، عندما طلبت إدارة مصنع “فريا” — التي كانت تعتبر شركة رائدة في رعاية موظفيها وصحتهم — من مونك رسم جداريات خاصة
بمقصف العاملات في المصنع. وبحلول عام 1923 عُلقت اللوحات التي تعكس أجواء الطبيعة والحياة اليومية المبهجة لتزيين أوقات راحة الموظفات،
اللواتي كان يطلق عليهن آنذاك اسم “فتيات الشوكولاتة”.
خلف الألوان المبهجة للجداريات، يطرح المعرض الجديد الذي يحمل عنوان “مونك ومصنع الشوكولاتة” أبعاداً سوسيولوجية وتاريخية عميقة.
فاللوحات تستعيد حقبة مفصلية من تاريخ الحركات العمالية في النرويج ونضال المرأة من أجل المساواة، إذ تزامن تعليق الجداريات
مع نيل العمال النرويجيين حقوقاً تاريخية مثل تحديد العمل بـ8 ساعات يومياً والحصول على العطلات الصيفية.
وفي هذا الصدد، تقول أمينة المعرض آنا ماريا بريشياني:
“كانت السنوات التي عمل فيها مونك على جداريات فريا سنوات عصيبة ومظلمة لأوروبا بأكملها في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
لقد اهتم مونك بالفن العام لأنه كان يعتقد أن فنه يجب أن يُعاش ويتنفس بين الناس العاديين”.
بالإضافة إلى الجانب العمالي، لا يتجنب المعرض تسليط الضوء على الجوانب الشائكة لتاريخ صناعة الشوكولاتة،
مستعرضاً التاريخ العنيف والاستغلالي لعمليات استخراج وتوريد الكاكاو الذي كان يصل إلى مصنع “فريا” من أمريكا الجنوبية والكاريبي،
ولاحقاً من غانا التي كانت تحت الاستعمار البريطاني آنذاك.
رغم أن إنتاج شوكولاتة “فريا” الشهيرة لا يزال يتركز في أوسلو حتى اليوم كجزء من الهوية البصرية والثقافية للنرويج،
إلا أن ملكية المصنع انتقلت في العقود الأخيرة إلى شركة الأغذية الأمريكية العملاقة “مونديليز”.
وعرضت هذه الجداريات خارج المصنع لمرة واحدة فقط سابقاً في المتحف الوطني في ستوكهولم عام 1968،
ما يجعل المعرض الحالي في أوسلو فرصة تاريخية لا تتكرر لعشاق الفن الحديث.

