كتب : بقلم:انتظار العظيمي
أبوابٌ أوصدتها الكرامة:
عندما يرتدي الخذلان قناع الأمان
ما أقسى أن يكتشف الإنسان أن اليد التي ائتمنها على قلبه كانت أول يدٍ تدفعه إلى السقوط.
فالثقة ليست عابرةً تمر بين الناس كما تمر الكلمات في الهواء،
بل هي عهدٌ من الروح للروح،
وجسرٌ من الأمان لا يُبنى إلا من صدقٍ نادر. وحين نمنحها لأحد،
فإننا لا نعطيه مكاناً في حياتنا فحسب، بل نمنحه مفاتيح أبوابٍ لم تُفتح لغيره.
وقد وثقتُ به حتى جعلتُه وطناً حين ضاقت الأوطان،
وأخاً حين عزّ الإخوة،
وصديقاً حين شحّت الصداقة،
وأباً حين اشتدّ عليّ الطريق.
ظننته ظلاً لا يغادرني إذا أحرقتني شمس الأيام،
وسنداً لا يميل إذا مالت الدنيا من حولي.
لكنني كنت أبني قصراً من اليقين على أرضٍ لم أعرف هشاشتها.
فما إن تبدلت الريح حتى رأيت وجهاً آخر لم أعرفه من قبل؛
وجهاً بارداً لا يتذكر كل ذلك الوفاء،
ولا يرى في سنوات الصدق إلا تفصيلاً يمكن تجاوزه.
ألقى بي خارج حياته كما تُلقى الأشياء التي انتهت الحاجة إليها،
وكأنني لم أكن يوماً جزءاً من ذاكرته، ولا نبضاً من نبض أيامه.
رماني كما تُرمى ساعةٌ رخيصة بعد أن يتوقف عقربها، ناسياً أن الساعات لا تشعر،
أما القلوب فتظل تسمع صوت انكسارها طويلاً.
واليوم يسألني الحنين أحياناً: أما زلتِ ترغبين في العودة؟
فأجيبه:
وكيف أعود إلى بابٍ أوصدني صاحبه بيده؟
وكيف أطلب دفئاً من قلبٍ كان أول من تركني للبرد؟
وكيف أعود إلى من علّمني أن الأمان قد يكون أجمل الأقنعة التي يرتديها الخذلان؟
إن الذي يرمي إنساناً صادقاً من حياته لا يفقد شخصاً واحداً فقط،
بل يفقد مرآةً كانت ترى فيه ما لم يره في نفسه.
أما أنا، فرغم ما في القلب من وجع،
أدرك أن الوردة الملقاة على الطريق لا تفقد عطرها،
وأن اللؤلؤة لا تصبح حجراً لأن أحدهم لم يعرف قيمتها.
سيبقى في الروح جرحٌ يروي حكاية ثقةٍ ذُبحت على مذبح الجحود،
لكنني لن أعود إلى المكان الذي خرجت منه مكسورة.
فبعض الأبواب إذا أُغلقت خلف الكرامة،
لا يليق بها إلا أن تبقى مغلقة إلى الأبد.

