كتب : د. سيما حقيقي
وتمضي المرة الأخيرة…
نمضي في الحياة ونحن نظن أن الأشياء التي ألفناها تعرف طريقها إلى الغد.
الوجوه التي اعتدنا حضورها، الأماكن التي حفظت خطواتنا، الأصوات التي تسكن أيامنا، والتفاصيل الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح جزءًا من إيقاع الحياة… نمر بها بطمأنينة من يعتقد أن الوقت ما زال يتّسع لمرة أخرى.
ربما لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يحصي احتمالات الغياب، فيمنح الأشياء المألوفة شيئًا من الخلود في داخله. يؤجل كلمة، ويختصر لقاء، ويمر من مكان يحبه دون أن يلتفت إليه طويلًا… فالغد، في مخيلتنا، واسع بما يكفي لكل ما أجلناه.
لكن الزمن يعرف ما لا نعرفه. يمضي بالأيام بإيقاعه المعتاد، وتعبر داخله لحظات لا تكشف لنا قيمتها وهي تحدث. صباح يشبه صباحًا سبقه، باب نعبره كما عبرناه مئات المرات، صوت نسمعه فنطمئن إلى أننا سنسمعه ثانية، ويد نمسكها بألفة، دون أن يخطر لنا أن للأشياء التي تتكرر عددًا أخيرًا لا نعرفه.
ثم يمضي الزمن… ونكتشف أن بعض أهم نهايات حياتنا مرّت متخفية في هيئة يوم عادي.
وللبدايات قدرة غريبة على إعلان نفسها. نتذكر أول يوم في المدرسة، أول خطوة في الجامعة، أول وظيفة، أول سفر، أول لقاء، وأول مرة حملنا فيها طفلًا بين ذراعينا. نحفظ تواريخها، نلتقط صورها، ونروي حكاياتها بعد سنوات.
لكن أحدًا لا يخبرنا عن المرة الأخيرة.
قد تأتي وسط ضحكة، أو مكالمة عابرة، أو صباح مزدحم، أو باب نغلقه خلفنا كعادتنا… ثم تمضي.
نخرج من باب مدرستنا، نضحك مع أصدقائنا، ونعود إلى بيوتنا، وربما كانت تلك آخر مرة نعبر فيها ذلك الباب كطلاب. نمشي بين صفوف الجامعة وممراتها، نحمل أوراقنا وأحلامنا وقلق الامتحانات وفرحة التخرج، بينما مرحلة كاملة من أعمارنا تمشي معنا نحو بابها الأخير.
ونغلق ذات مساء باب مكتب اعتدنا دخوله كل صباح، ثم يصبح المبنى الذي عرف تفاصيل أيامنا عنوانًا قديمًا نمر بجواره بعد سنوات، فننظر إليه بشعور غريب ونقول: كنت هنا يومًا.
كم هو غريب أن نعرف متى دخلنا بعض الأماكن للمرة الأولى، ثم نعجز عن تذكر اليوم الذي خرجنا فيه منها للمرة الأخيرة.
وربما لأن الأماكن لا تحفظ وجودنا وحده، وإنما تحتفظ بشيء من أعمارنا أيضًا. في المدرسة بقي شيء من طفولتنا، وفي الجامعة بقيت نسخة منا كانت ترى المستقبل واسعًا ومفتوحًا، وفي مكتب قديم بقيت صباحات ووجوه ونجاحات وخيبات وأحاديث صغيرة صنعت سنوات كاملة، وفي بيت العائلة بقي شكل للحياة لا تستطيع الجدران وحدها أن تعيده.
نغادر المكان في لحظة، ويبقى شيء منا هناك زمنًا أطول. وحين نعود إليه بعد سنوات، قد نجد الباب نفسه والممر ذاته والشجرة التي كانت في الزاوية… ونكتشف أن ما نبحث عنه لم يكن المكان.
كنا نبحث عن أنفسنا حين كنا فيه.
ومع الأشخاص تصبح المرة الأخيرة أكثر خفاءً. قد نجلس مع صديق، نضحك طويلًا، ثم نفترق على وعد بلقاء قريب. تأخذ الحياة كلًا منا إلى طريق، تمر الشهور والسنوات، وفي لحظة ما ندرك أن لقاءنا السابق كان الأخير.
انتهت المرحلة ببساطة، كما تنتهي أشياء كثيرة جميلة حين تمضي الحياة إلى فصل آخر.
وقد يكون عيدًا عائليًا امتلأ بالضحكات والأحاديث والصور. جلس كل شخص في مكانه المعتاد، وتأخر أحدهم عن الصورة، وانشغل آخر بهاتفه، ومر اليوم مثل أعياد كثيرة سبقته. ثم ننظر بعد سنوات إلى تلك الصورة، فنكتشف أن ذلك كان آخر عيد اجتمع فيه الجميع بذلك الشكل.
رحل أحدهم، سافر آخر، تزوج الأبناء، كبرت العائلة، وتبدلت البيوت. وبقيت الصورة تعرف شيئًا لم نكن نعرفه يوم التقطناها: أنها كانت تحفظ لنا «آخر مرة».
وهناك مرات أخيرة أصغر بكثير، تمر داخل تفاصيل الحياة حتى تكاد تختفي فيها. آخر مرة حمل فيها أب طفلته قبل أن تكبر، آخر قصة طلب طفل من أمه أن تحكيها له قبل النوم، وآخر صباح أمسك فيه الصغير بيد أبيه في طريقه إلى المدرسة قبل أن يصبح قادرًا على الذهاب وحده.
نعرف اليوم الذي مشى فيه الطفل خطواته الأولى، ويضيع منا اليوم الذي حبا فيه للمرة الأخيرة. نتذكر أول كلمة نطقها، ويغيب عنا متى قال للمرة الأخيرة تلك الكلمة بطريقته الطفولية قبل أن يتعلم نطقها كما ينبغي.
كأن للبدايات تقويمًا… أما النهايات الصغيرة فتذوب في الحياة دون تاريخ.
وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل.
فالمرة الأخيرة ليست دائمًا ذكرى حزينة. قد نغادر الجامعة ونحن نحتفل بالتخرج، وقد نخرج من مكان عمل أحببناه لأن فرصة أجمل تنتظرنا، وقد يغادر الأبناء بيت العائلة ليبنوا بيوتًا وحيوات جديدة، وقد تنتهي رحلة جميلة مع أصدقاء لأن الطرق اتسعت، وأصبح لكل واحد منهم طريقه.
بعض الفصول تصل إلى صفحتها الأخيرة لأنها اكتملت.
نفرح بما يبدأ أمامنا، وفي اللحظة نفسها يكون شيء جميل خلفنا قد وصل إلى نهايته. ولعلنا لهذا نرى وجه البداية، ولا ننتبه إلى وجه النهاية المختبئ في اللحظة ذاتها.
ثم يأتي الزمن، ويكشف لنا ما لم نره.
وهنا يحدث شيء يستحق التأمل. فاللحظة التي بدت عادية حين عشناها، قد تصبح بعد سنوات واحدة من أثمن لحظات الذاكرة. المكالمة نفسها، الصورة نفسها، المائدة نفسها، الباب نفسه.
ما الذي تغير؟
نحن الذين أصبحنا نعرف ما حدث بعدها.
كأن المستقبل يعود أحيانًا إلى الماضي، ويمنح بعض لحظاته معنى لم يكن ظاهرًا حين حدثت. ذلك العيد أصبح مختلفًا لأننا عرفنا أنه الأخير، وتلك المكالمة أصبحت أثمن لأن الصوت غاب بعدها، وذلك اليوم في الجامعة صار جزءًا عزيزًا من العمر لأننا أدركنا أن حياة كاملة كانت تنتهي ونحن منشغلون بما سيأتي بعدها.
وهنا يطل السؤال الذي يصعب المرور عليه سريعًا:
ماذا لو كنا نعرف؟
ماذا لو عرفنا أن هذه آخر مرة ندخل فيها ذلك البيت؟ أو آخر جلسة مع ذلك الصديق؟ أو آخر عيد يجلس فيه شخص نحبه في مكانه المعتاد؟ أو آخر مكالمة سنسمع فيها ذلك الصوت؟
هل كنا سنعيش اللحظة بالطريقة نفسها؟
ربما كنا سنبقى دقائق إضافية. ربما كنا سننظر إلى الوجوه بوعي أكبر، ونحفظ نبرة الصوت، ونترك بعض ما يشغلنا جانبًا. وربما كنا سنقول الكلمة التي أجلناها لأن الغد بدا قريبًا ومضمونًا.
ومع ذلك، لعل في جهلنا بالمرة الأخيرة شيئًا من رحمة الحياة. فمعرفة النهايات مسبقًا قد تثقل أجمل اللحظات بها، وقد يصبح العناق مشغولًا بالفراق، واللقاء مترقبًا لنهايته، والفرح خائفًا من الساعة التي سينطفئ فيها.
لذلك نعيش. نضحك في الصورة، نغادر المكان، نلوّح لصديق، ونقول لمن نحب: أراك غدًا.
ثم تمضي الحياة.
والأكثر إثارة أن بعض المرات الأخيرة في حياتنا ربما حدثت بالفعل… ونحن حتى هذه اللحظة لا نعرف. مكان خرجنا منه وسنكتشف يومًا أننا لم نعد إليه، صديق التقيناه منذ أشهر وقد تمضي الطرق في اتجاهين مختلفين، عادة رافقتنا سنوات ثم اختفت في يوم عادي، حتى إننا لا نستطيع الآن تحديد متى فعلناها للمرة الأخيرة.
وربما كانت هناك ضحكة، رحلة، جلسة عائلية، صباح بسيط… انتهى شيء ما بعدها إلى الأبد، بينما ظل ذلك اليوم في ذاكرتنا يومًا عاديًا.
كم مرة أخيرة مرّت في حياتنا حتى الآن دون أن نعرف؟ وكم واحدة منها نعيشها اليوم؟
السؤال لا يدعونا إلى الخوف من النهاية. إنه يعيدنا إلى الحاضر؛ إلى الأشياء التي ما زالت هنا، إلى بيت نستطيع دخوله الآن، إلى صوت نستطيع سماعه، إلى شخص يمكننا الجلوس معه، إلى طفل ما زال صغيرًا، إلى صديق ما زال الطريق يصل إليه، وإلى أيام تبدو عادية جدًا، بينما قد نكتشف يومًا أنها كانت أجمل مما عرفنا ونحن نعيشها.
ربما يكفي أن نمنح ما نحب شيئًا من انتباهنا قبل أن يحتاج إلى ذاكرة كي نستعيده. أن نشعر بالمكان ونحن فيه، وأن ننظر إلى الوجوه وهي أمامنا، وأن نقول بعض الكلمات في وقتها.
فالحياة لا تضع علامة على اللحظات التي لن تتكرر.
تمضي ببساطة…
ويأتي يوم ندرك فيه أن بعض ما كنا نظنه «إلى الغد»، كان قد قال لنا وداعًا… ونحن لم نسمعه.

