كتب : محسن علي / باحث وناقد سوري
مرايا التيه: الأثر العابر وسيميائيّة المكان في ديوان “الغناء على أبواب تيماء” للشاعر عبد الله الصيخان
يشكّل ديوان “الغناء على أبواب تيماء” للشاعر عبد الله الصيخان علامة فارقة في مسيرة الشعر السعودي المعاصر، ذلك أنّ الشاعر أصدره متأخّرًا بعد أن كتب قصائده بين عامي 1977 و1987، مرفقًا إيّاه بعبارة تصديريّة تشي بوعي تاريخيّ عميق، حيث كتبها في زمن غير زمن كتابتها الأولى. تكتسب هذه الالتفاتة الزمنيّة أهمّيّة كبرى في مقاربة النصّ، لأنّها تفتح الباب أمام تأمّل علاقة الشعر بزمنين مختلفين: زمن الكتابة الذي شهد انبثاق القصيدة في سياقها الجمالي الأوّل، وزمن النشر الذي يعيد تشكيل دلالاتها في ضوء تحوّلات الرؤية الشعريّة الراهنة. ينهض هذا البحث على مقاربة سيميائيّة للمكان في الديوان، متتبّعًا تشكّلات العابر والثابت في الفضاء الشعري، مستبطِنًا آليّات اشتغال الأثر في نسج مرايا تتيه بين الذاكرة والغياب.
تتّخذ تيماء في ديوان الصيخان موقعًا مركزيًّا يتجاوز كونه اسمًا جغرافيًّا لمحطّة تاريخيّة عريقة، ليصبح علامة سيميائيّة محمّلة بدلالات التيه والانتظار والحضور الممتنع. يتكرّر السؤال الوجودي في النصّ: ⟨⟨وتيماء كيف؟⟩⟩، فيصير هذا الاستفهام نافذة يطلّ منها الشاعر على فضاء الذات المتشظّية، حيث يتحوّل السؤال عن المكان إلى سؤال عن الهويّة والانتماء. تيماء هنا مرآة تعكس تحوّلات الذات الشاعرة، وتجسّد تلك العلاقة الجدليّة بين الثبات والرحيل، فالمكان في قصائد الديوان يأخذ طابعًا سيّالًا، إذ نقرأ: ⟨⟨إذ ترحلين تستفيق القرى في الصباح وترحل في قلب هذا الطريق⟩⟩. تستفيق القرى بالرحيل، فهذا القلب للمألوف يمنح المكان حياة مفارقة قوامها التحرّك والتغيّر، فالاستقرار يتجلّى في العبور، والحضور يظهر في أثر الغياب. يتجلّى هذا التيه في قوله من قصيدة “قمر مكسور”: ⟨⟨ما الذي يجمع ما بين يديك ويديا؟ ما الذي يجعل الأشياء شعرا حين تأتين.. وهذي “الشقة” الصماء تغدو مملكةْ؟ أنت فيها الملكةْ⟩⟩، حيث تتحوّل الشقة الصمّاء إلى مملكة بفعل حضور الحبيبة.
يحضر المكان في بنية النصّ من خلال تشكيلات بصريّة تمنحه بعدًا أيقونيًّا، حيث تتحوّل تفاصيل الجغرافيا إلى مرايا تعكس حالات الشاعر الوجدانيّة. تتجلّى هذه الآليّة في قول الشاعر: ⟨⟨فهذي القرى أنكرتني وهداج يأخذ شكل المحارةْ وهداج يركض في النخل والقادم المستحيل⟩⟩. تتصارع هنا ثلاثة مستويات من المكان: القرى التي تنكر الشاعر فتصبح مكانًا للاغتراب، والهداج الذي يتّخذ شكل المحارة في إيحاء بالانكماش، والهداج الآخر الذي يركض في النخل حاملًا وعد القادم المستحيل. هذه التشابكات المكانيّة تحوّل الجغرافيا الطبيعيّة إلى خطاب سيميائي متعدّد الأوجه، تتداخل فيه دلالات الانتظار والتيه، فيغدو المكان فاعلًا رئيسًا في تشكيل المعنى. تبرز هذه التشكيلات البصريّة بوصفها تجسيدًا للحالات النفسيّة المتقلّبة، فكلّ صورة مكانية تحمل في داخلها شحنة انفعاليّة تعبّر عن علاقة الشاعر المتوتّرة مع محيطه.
الصيخان في تشييد صوره المكانيّة على مفارقات تثير الدهشة وتفتح أفق التأويل، فالمكان يظهر في آنٍ واحد مألوفًا وغريبًا، قريبًا بعيدًا، حاضرًا غائبًا. نقرأ في النصّ: ⟨⟨وتيماء .. كيف ؟ هكذا نلتقي في غبار المسافة بين التلذّذ والجوع في قبلةٍ اعترتها الينابيع أو فُعِلت مرتين⟩⟩. تتكثّف في هذا المقطع سيميائيّة المكان عبر استدعاء التناقضات: غبار المسافة يوحي بالبعد، غير أنّه يصير فضاءً للّقاء، والينابيع تغزو القبلة فتحوِّلها من حميميّة خاصة إلى ظاهرة كونيّة. تلك المفارقات تحيل إلى رؤية الشاعر للمكان باعتباره محطّة عبور، فضاءً يتشكّل من خلال أثر الذاكرة وتجارب الجسد، فالوجود المكاني يتجلّى في لحظات تتشكّل وتتلاشى في آنٍ، تاركة خلفها مرايا من التيه.
يمتزج المكانيّ بالزمانيّ في تشكيل مرايا التيه، حيث تتداخل الذاكرة الفرديّة بذاكرة الجمع، ويصير المكان وعاءً للتاريخ والأسطورة. يستدعي الديوان التراث في تشكيل فضاءات تيهيّة موازية، فيقول في قصيدة “وضاعت حكاياك يا شهريار”: ⟨⟨وفتشت في كل دار قطعت الفيافي وجبت القفار وصفتك للبدو في كل واد سألت عذارى البحار أجابوا وضاعت حكاياك يا شهريار⟩⟩، فتتجلّى رحلة التيه في البحث عن شهرزاد أيقونة الغياب. ويتجلّى استدعاء التراث في قوله: ⟨⟨أنا قيسك المستباح بما لا يجيء ممددة تحت حدب الضلوع وموشومة فوق ليل القوافي⟩⟩، حيث يمتد ⟨⟨بما لا يجيء⟩⟩ في إشارة إلى أفق الترقّب المستحيل. يظهر هذا التيه في تعدد الأماكن: ⟨⟨سألت بطاح الرياض وريح الشمال لعلها مثلي هوتك ولم تدرِ أني عليك أغار وفتشت عنك ببطن تهامة جبت السراة وكلٌ يتمتم في رحمة : وضاعت حكاياك يا شهريار⟩⟩، حيث تتحول الرياض وتهامة والسراة إلى فضاءات للبحث يتكرّر فيها السؤال نفسه.
يمتد التيه المكانيّ في الديوان ليشمل فضاءات أخرى، حيث تتّجه الذات في قصيدة “نيل” نحو النهر بوصفه فضاءً للخلاص: ⟨⟨من كل هذا الهجس أطلب راحة أولى لروحي هدوء بحارين عند المد أخرج من عباءة إمرأة أسميها بلادي حين أقترح العشية سوسناُ للنيل⟩⟩، فيتحوّل النيل إلى مرآة للذات المتعبة. وتتجلّى كتابة المكان في قصيدة “حمدان يعزف على النهر”: ⟨⟨أُسمي فلاتي وأصنع لي بلدًا⟩⟩، ويمتدّ: ⟨⟨أُسمي فلاتي فسموا أيائلها والقطا وتمنوا قبيلة ماء لها⟩⟩، حيث يتحوّل تسمية الفلاة إلى فعل تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والفضاء.
تمثّل مرايا التيه رؤية كونيّة تتجاوز الحدود الجغرافيّة إلى آفاق وجوديّة أوسع، حيث تتبدّى العلاقة بين الأثر العابر والمكان كنموذج للعلاقة بين الذات والعالم. يظلّ السؤال عن تيماء مفتوحًا، لأنّه سؤال عن الذات في علاقتها بالزمن والتاريخ، عن الأثر الذي يتركه العابرون في فضاءاتهم، وعن المرايا التي تظلّ عالقة في جدران المدن التي رحلوا عنها. تتجاوز هذه الرؤية التوصيف الجغرافي إلى استكشاف الأبعاد الميتافيزيقيّة للمكان، حيث يصير الفضاء الشعري مرآة للروح المتعبة التي تبحث عن معنى في عوالم متغيّرة، وتتساءل عن إمكانية الخلاص من التيه عبر الغناء نفسه.
يخلص البحث إلى أنّ الصيخان نجح في تشكيل رؤية مكانيّة فريدة تقوم على استراتيجيّة التيه، حيث تتحوّل عناصر المكان إلى علامات سيميائيّة تحيل إلى حالات الذات المتغيّرة. يطرح الديوان رؤية مغايرة للمكان في الشعر السعودي المعاصر، تقوم على تفكيك علاقة الشاعر بالمكان وتقديمها عبر مرايا الأثر العابر. تظلّ تيماء أكثر من مجرّد اسم، إنّها سؤال مفتوح، ومرايا تتشظّى كلّما اقتربنا منها، وأثرًا يعبر من بوّابات الغناء إلى فضاءات التيه اللامتناهية، حيث تتحقّق الكتابة مرآة تنعكس فيها الذات وهي تبحث عن هويّتها في متاهات المكان والذاكرة، لتبقى القصيدة شاهدًا على رحلة التيه التي لا تنتهي.

