كتب : د. معصومة العبد الرضا
هل تحتاج الأسرة السعودية إلى الاستقرار… أم إلى المرونة؟
ناقدة للخطاب الثقافي المعاصر، وباحثة ومستشارة في السياسات الأسرية والتنمية الأسرية.
اعتدنا أن نتحدث عن الأسرة المستقرة بوصفها الأسرة التي تحافظ على توازنها، وتؤدي أدوارها، وتتجاوز مشكلاتها دون أن تتعرض بنيتها للعطب.
لكن ماذا لو كان هذا التعريف للاستقرار لم يعد كافيًا في ظل التحولات المتسارعة التي تعيشها الأسرة اليوم؟
فالأسرة السعودية لا تعيش في البيئة الاجتماعية نفسها التي كانت قبل عقود. تغيرت أنماط العمل، واتسعت فرص التعليم، وتبدلت بعض الأدوار، وأصبحت التقنية جزءًا من الحياة اليومية، وتغيرت أنماط التواصل والاستهلاك، وأصبحت الأسرة مطالبة بالتعامل مع ظروف جديدة ومتطلبات متجددة.
وفي الوقت نفسه، لم تختفِ القيم التي تشكل هويتها؛ فما زالت المسؤولية، والرعاية، والانتماء، وصلة الرحم، والتعاون، والاحترام تمثل عناصر مهمة في البناء الأسري.
المسألة إذن ليست: هل تتغير الأسرة أم لا؟
فالأسرة تتغير بالفعل.
السؤال الأهم هو:
هل تمتلك الأسرة القدرة على التكيف مع هذا التغير؟
حين يتغير الواقع وتبقى التوقعات
قد تحدث المشكلة عندما تتغير الظروف بسرعة أكبر من قدرتنا على إعادة تنظيم توقعاتنا.
قد يتغير واقع العمل، لكن تبقى بعض التصورات التقليدية حول توزيع المسؤوليات كما هي.
وقد تتغير احتياجات الأبناء، بينما تستمر بعض الأساليب الوالدية بالطريقة نفسها.
وقد تختلف طريقة تفكير جيل عن آخر، فيُفسَّر الاختلاف باعتباره تمردًا أو رفضًا، بدل أن يكون فرصة للحوار والتعلم المتبادل.
وقد تدخل التقنية إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، بينما نتعامل معها أحيانًا بمنطق المنع أو الرقابة فقط.
في مثل هذه الحالات لا يكون التحدي في “التغير” وحده، وإنما في المسافة التي قد تنشأ بين التوقعات الأسرية والواقع الجديد.
وهذه المسافة قد تتحول إلى ضغط إذا لم تستطع الأسرة إعادة تنظيم نفسها.
من الاستقرار إلى المرونة
هنا يظهر مفهوم أراه جديرًا بمزيد من البحث: المرونة الأسرية.
المرونة لا تعني أن الأسرة لا تواجه المشكلات.
ولا تعني أن أفرادها يتنازلون عن قيمهم في كل مرة تتغير فيها الظروف.
كما أنها لا تعني التكيف مع أي شيء مهما كان أثره.
إنما يمكن النظر إليها بوصفها:
قدرة الأسرة على الاستجابة للتحولات والضغوط، وإعادة تنظيم أدوارها ومواردها وعلاقاتها، والاستفادة من مصادر الدعم المتاحة، مع المحافظة على وظائفها الأساسية وتماسكها وجودة علاقاتها.
بمعنى آخر، الأسرة المرنة ليست الأسرة التي لا تتغير، وإنما الأسرة التي تعرف كيف تتغير دون أن تفقد ما يجعلها أسرة.
الحفاظ على القيمة… وتغيير الممارسة
من المهم هنا التمييز بين القيمة والممارسة.
قد تبقى قيمة “المسؤولية الأسرية” ثابتة، بينما تتغير الطريقة التي تمارس بها هذه المسؤولية.
وقد تبقى قيمة “صلة الرحم” حاضرة، مع إعادة تنظيم حدود الخصوصية والاستقلالية.
وقد يبقى احترام الوالدين أساسيًا، مع السماح للأبناء بالتعبير عن آرائهم.
وقد تبقى الرعاية الوالدية ثابتة، بينما تتغير أدوات التربية وأساليب التواصل.
وهنا لا يصبح التكيف تخليًا عن الهوية، بل يصبح وسيلة للمحافظة على القيم في ظروف جديدة.
الأسرة لا تواجه تحولًا واحدًا
عندما نتحدث عن المرونة الأسرية، لا ينبغي أن نحصرها في العلاقة الزوجية فقط.
فالأسرة قد تحتاج إلى المرونة في أكثر من مجال:
المرونة الزوجية: في الحوار وإعادة توزيع المسؤوليات والتعامل مع الخلاف.
المرونة الوالدية: في التكيف مع تغير احتياجات الأبناء ومراحلهم العمرية.
المرونة بين الأجيال: في إدارة الاختلاف دون تحويله إلى قطيعة.
المرونة الرقمية: في تحقيق توازن بين التقنية والعلاقات الأسرية وحماية الخصوصية.
المرونة الاقتصادية: في إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات عند تغير الظروف.
المرونة في إدارة الأسرة الممتدة: في تحقيق التوازن بين الدعم والخصوصية.
المرونة الأسرية–المهنية: في التعامل مع ضغوط العمل ومتطلباته.
والمرونة النفسية والعاطفية: في مساندة أفراد الأسرة والتعامل مع الأزمات وطلب المساعدة عند الحاجة.
وهذه الأبعاد لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حقائق نهائية، وإنما باعتبارها مجالات بحثية تستحق الدراسة والاختبار في المجتمع السعودي.
لماذا يهمنا هذا المفهوم؟
لأن طريقة تعريفنا للمشكلة تؤثر في طريقة تصميم الحل.
إذا نظرنا إلى الأسرة فقط من خلال المشكلات، فسنركز غالبًا على التدخل بعد حدوث المشكلة.
أما إذا نظرنا إليها من خلال قدرتها على التكيف، فسنسأل أسئلة مختلفة:
كيف نساعد الأسرة على الاستعداد للتحولات؟
كيف نرفع قدرتها على الحوار؟
كيف ندعم الوالدين في التعامل مع التغيرات التربوية؟
كيف نساعد الأسرة على بناء ثقافة رقمية أكثر وعيًا؟
كيف ندعم الأسرة العاملة؟
كيف نحافظ على قوة الأسرة الممتدة دون أن تتحول المساندة إلى تدخل؟
وكيف نكتشف مواطن الضغط قبل أن تتحول إلى أزمة؟
وهنا يمكن أن تنتقل السياسة الأسرية من:
مشكلة ← تدخل ← علاج
إلى مسار أكثر استباقية:
تحول ← رصد ← استعداد ← تمكين ← تكيف ← استقرار.
لا ينبغي أن نحمّل الثقافة كل شيء
ومن المهم التأكيد على أن الحديث عن النسق الثقافي لا يعني تحميل الثقافة مسؤولية كل مشكلة أسرية.
فالأسرة تتأثر أيضًا بالاقتصاد، والعمل، والسكن، والتعليم، والصحة النفسية، والتقنية، والبيئة الاجتماعية، والمؤسسية، وغيرها.
لذلك فإن فهم الأسرة يحتاج إلى رؤية متعددة المستويات، ترى الثقافة باعتبارها أحد العوامل المتفاعلة مع غيرها، لا باعتبارها تفسيرًا وحيدًا.
نحو أسرة مستعدة للمستقبل
ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية:
كيف نحافظ على الأسرة كما كانت؟
بل:
كيف نحافظ على قوة الأسرة وهي تتغير؟
فالأسرة التي تتغير ليست بالضرورة أسرة ضعيفة.
والأسرة التي تواجه الضغوط ليست بالضرورة أسرة مفككة.
قد تكون الأسرة في مرحلة إعادة تنظيم، وقد يكون الاختلاف جزءًا من عملية التكيف، وقد يكون التغير فرصة لإعادة بناء بعض الأدوار والعلاقات بصورة أكثر ملاءمة للواقع.
لهذا أرى أن المرونة الأسرية تستحق أن تصبح مجالًا بحثيًا أوسع في المملكة، لا بوصفها بديلًا عن مفاهيم الاستقرار والتماسك، وإنما بوصفها مفهومًا يكملها ويجيب عن سؤال مختلف:
ماذا يحدث للأسرة عندما تتغير الظروف؟
فالأسرة الناجحة ليست التي لا تواجه التغيير، وإنما التي تستطيع أن تواجهه دون أن تفقد قدرتها على الحب، والحوار، والرعاية، والانتماء، والتعاون.
الاستقرار مهم، لكن القدرة على التكيف مع التغير قد تكون هي الشرط الذي يجعل هذا الاستقرار ممكنًا.
