كتب : د هاني عبيدات _ كاتب و باحث اردني
( السياحة الدينية المسيحية في لواء بني كنانة )
المقدمة :
يتّسم لواء بني كنانة بالعديد من السمات التي جعلت الأنماط السياحية فيه متعددة متنوعة و على مدار فصول السنة ،لقد جمع الى جمال طبيعته الخلابة جمال طبيعة النفس البشرية التي استوطنته ،إضافة الى ما يزخر به من مواقع تاريخية وأثرية و دينية إسلامية و مسيحية ،أهّلته ليكون جديرا بنظرة جادة من قبل الجهات المعنية بتنشيط السياحة و تحفيزها .
السياحة الدينية المسيحية في اللواء :
إن ما يزخر به لواء بني كنانة من مواقع و كنائس و مزارات مسيحية يجب أن تجعله من ضمن مناطق الجذب السياحي الديني المسيحي و تضعه ضمن قائمة المناطق التي تهوي اليها أفئدة المؤمنين ،و لأن الحجاج المسيحيين يعتبرون أنفسهم ورثة الإيمان يتتبعون مسارات الأنبياء و يتحسسون مسالك النساك و الأولياء، فهذه أرض بني كنانة المقدسة تفتح ذراعيها للباحثين عن إشباع الحاجات الروحية من خلال الصلوات و التأمل و إفساح المجال للأماكن المقدسة للحديث عن نفسها بلغة أبلغ من الكلام و الخطب الرنانة .
عندما نتحدث عن السياحة الدينية المسيحية التي تهدف الى زيارة المواقع المسيحية لنقف على تاريخها و روحها و روحانيتها فلا يغيب عن بالنا أنها لا تخص معتقد إلإنسان نفسه فحسب ، بل تخص الآخرين فتتعمق المعرفة و تزداد المحبة و الاحترام ، و تتبدد الفوارق و الاختلافات و تذوب الانتماءات الحزبية و الطائفية و العرقية أمام الهوية الوطنية الأردنية .
نحن في هذا اللواء عامة و الكفارات خاصة نفخر بنماذج مشرفة من العيش الإسلامي المسيحي المشترك فقد زرعنا معا و صلينا معا و بنينا الوطن معا ، و ترسخ هذا النهج الذي رعاه الهاشميون من خلال ” رسالة عمان ” و ” كلمة سواء “
و لو سمح الوقت لذكرت بعضا من نماذج فريدة في العيش المشترك و دلائل دامغة على حرص المسلمين على الكنائس المسيحية كما هو حرص المسيحيين على المساجد و الجوامع .
تاريخ المسيحية في لواء بني كنانة :
على الرغم من أن المسيح عليه السلام زار أم قيس و تل الكفارات إلا أن المسيحية لم تر النور إلا في القرنين الثاني و الثالث الميلاديين ، و كانت حبراص من أولى المناطق التي اعتنقت المسيحية ، و من القبائل العربية التي اعتنقت المسيحية الغساسنة و قبائل رُفيدة التي سكنت حرثا ثم امتدت الى قرية الرفيد و سميت باسمها ، لقد كشفت الحفريات عن الجدار الشمالي لكنيسة بنيت في القرن السابع أو الثامن الميلادي في أبيلا .
لقد انتشرت المسيحية في شمال الأردن خلال القرنين الثاني و الثالث الميلاديين في شمال الأردن في منطقة اربد و الجولان و سهول حوران و قد أسس الغساسنة دولتهم في هذه الديار ، و بقيت الكنائس في هذا اللواء تشكل تراثا روحيا شرقيا لا يحق لأي كان العبث به سواء باسم الدين أو السياسة أو الأيديولوجيا ، فالمسيحية الشرقية مكون أساسي من مكونات الحضارة الإنسانية في المنطقة و لا يمكن التخلي عنه أو تخريبه ، بل إنها مثلما الحال مع المساجد و صوت الأذان تدخل في تكوين النسيج النفسي و الاجتماعي و التاريخي الجمعي للانسان العربي مسلما كان أم مسيحيا .
إن إحياء السياحة الدينية المسيحية و تنظيم الزيارات الروحية واجب وطني و التزام مقدس في دولة لا تزال تعتاش على المساعدات و المنح ، بل هي ضرورة حتمية لإعطاء الصورة الحقيقية عن الآخر ، و لمدّ جسور التواصل و المعرفة بين بني البشر ، و لجلاء الصورة عن مدى قبول أتباع الديانات المختلفة لبعضهم البعض و تشاركهم في بناء المجتمعات العربية بعيدا عن الفتنة الطائفية و التفرقة العنصرية .
لقد قدّم الله سبحانه و تعالى ذكر الصوامع و البيع على المساجد فقال ” و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ” .
تكمن خطورة إفراغ المنطقة من الوجود المسيحي في جعل المنطقة خالية من ألوانها التي تعد شاهدة على العيش الاسلامي المسيحي المشترك ، و ما قصة أحد أبناء العمومة في الرفيد مع المطران ” جورج المر” إلا خير شاهد على حرص المسلمين على حماية أماكن العبادة لغير المسلمين .
أوابد و شواهد تحتضن كنائس و معابد :
أبيلا ( حرتا )
تم الكشف من قبل المعهد اللاهوتي في سانت لويس عن كنيسة أم العمد التي أطلق عليها هذا الاسم لكثرة ما تحتويه من أعمدة. وتقع الكنيسة في الجهة الجنوبية من موقع آثار قويلبة، وقد أظهرت الحفريات الأثرية أن أساساتها بنيت فوق بناء أقدم منها، بدليل النقود والكسر الفخارية.
وقد وجد في الكنيسة آثار لمذبح يتجه إلى الشرق، كما وجدت آثار لقنوات مائية استخدمت لجمع مياه الأمطار عن أسطح المباني. و فيها كنيسة البازيليكا التي تقع الى الشرق بقليل من كنيسة أم العمد .
كما تمتاز المدينة بانتشار لوحات فسيفسائية فيها، جاء في إحداها رسم مزخرف لدبّين يأكلان قطفا من عنب، إضافة إلى رسومات كثيرة لغزلان وأخرى لشخصيات مرموقة، وقد كتب تحت كل لوحة أو رسم اسم صاحبها.
وتنتشر على الطرف الشرقي للمدينة مقابر أثرية محفورة في الصخر، وبعضها ذات أبواب بازلتية تكسو جدرانها قصارة، وبعضها تعلوها رسومات جدارية ذات ألوان زاهية، وتوجد أوانٍ فخارية وأسرجة وتماثيل وأوانٍ زجاجية وحلي وأساور وأقرطة وعقود وردية.
ولا تزال معظم آثار أبيلا مدفونة تحت الأرض .
ترتبط أبيلا بنفق طويل مع دير كفرسوم الذي كان من أهم المراكز الدينية في المنطقة و يبدو أن هذا النفق كان لاختصار المسافة بين حرثا و كفرسوم التي كانت مرتبطة أكثر بعامل الروم في أم قيس
.
جدارا ( أم قيس ) :
تقع ام قيس (جدارا) على طريق الحج المسيحي و هي المطلة على بحيرة طبريا والتي تذكر بعبور السيد المسيح إلى الشرق وبمعجزته الأولى هناك
يذكر العهد الجديد من الكتاب المقدس أن سيدنا المسيح عليه السلام قد مر بجدارا ( ام قيس ) حيث قابل رجلين مصابين بأمراض عقلية و قام بعلاجهما بواسطة اخراج أرواح شريرة و إرسالها الى قطيع من الخنازير التي فرت الى بحيرة طبرية و غرقت ، اندهش أهل جدارا بتلك المعجزة فقابلوا المسيح بشكل عدواني و طلبوا منه العودة الى الجليل .
لم تنتشر المسيحية بشكل سريع في جدارا بسبب الوثنية القوية و لكن عندما اعلنت المسيحية عام 325 م ديانة رسمية للامبراطورية البيزنطية بنيت كنيسة ذات خمسة ممرات خلال القرن نفسه .
كهف عيسى :
يقع الكهف المعروف لدى سكان بني كنانة بانه كهف عيسى في أم قيس و يقال أن يسوع قد أقام في هذا الكهف أثناء السفر الى ام قيس من أجل الإفراج عن شعبها القديم من الوثنية .
الخلاصة :
درّتان نادرتان تزينان جبين لواء بني كنانة : أبيلا في الطرف الشرقي و جدارا في الطرف الغربي ، زارهما السيد المسيح لتخليصهما من الوثنية ، تحتضنان عددا من الكنائس و المعابد ، فكل مدينة من مدن حلف الديكابولس تشتمل على ثلاثة أقسام : القسم الديني ، القسم التجاري ، القسم السكني .
و على الطريق الواصل بينهما يقبع دير كفرسوم و في حضن جدارا يرقد كهف عيسى عليه السلام أما جرس الكنيسة الكاثوليكية في الرفيد فلا يزال ينتظر من يقرعه .

