كتب : الدكتورة رانيه يوسف صافي
“الحد الفاصل بين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية“
ضرورة وضع حد فاصل بين اختصاص المحكمة في نظر الجرائم ضد الإنسانية ودور مجلس الأمن في الإحالة للمحكمة ومدى مشروعية هذا الدور وموقف المحكمة في حال استخدام مجلس الأمن للصلاحيات المسموحة له والممنوحة له من قبل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
فالأساس القانوني لشرعية قرارات مجلس الأمن مستند إلى النصوص المنشئة للمنظمة، وذلك بخضوع جميع أعمال مجلس الأمن لنصوص ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك يجب أن تنطبق مع المبادئ والأهداف والقواعد الاجرائية للميثاق، إلا أن فكرة عدم تحديد الشرعية الدولية التي يجب أن يلتزم بها مجلس الأمن عند اصداره القرارات، تجعلها واجبة للخضوع إلى رقابة قضائية دولية.
وهنا يحدث التنازع بسبب سلطة مجلس الأمن في اتخاذ قرار إحالة الجرائم ضد الانسانية للمحكمة الجنائية طبقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومن الناحية الأخري سلطة المحكمة الجنائية الممنوحة لها بموجب النظام الأساسي، فمجلس الأمن يعد بالأساس جهازًا سياسيًا، وهل يتعارض ذلك مع دوره أيضًا كجهاز قضائي.
ويتفق دور مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، فالمجلس يهدف الي الحفاظ على السلم والأمن الدوليين والمحكمة تختص بنظر الجرائم المهددة للسلم والأمن الدوليين.
ويثار هنا تساؤل مفاده “هل يحق للمحكمة الجنائية الدولية ممارسة المراجعة القضائية على ما قام به مجلس الأمن مستخدمًا صلاحيته التي منحت له بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مراعيًا في ذلك حدود ما أسند اليه أم لا يحق لها ذلك؟
وحيث إن نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لم يعتد على سيادة الدول متمثلة في مبدأ السيادة وما دوره الا اختصاصًا مكملًا وليس بديلًا للاختصاص القضائي الوطني وهذا استنادًا للفقرة العاشرة من المادة الأولى من ديباجة النظام الأساسي للمحكمة.
وأما عن تسليم مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية فهو يعد من الشؤون الداخلية للدولة ويخضع للتحكيم الدولي والقضاء الدولي باعتبار طلبات التسليم من أعمال السيادة الوطنية، والدليل على ذلك نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية على منح سلطة الولاية القضائية للدول استنادًا إلى تشريعاتها الوطنية عملًا بمبدأ التكامل.
وقد أتاحت المادة (13) من نظام المحكمة الجنائية الدولية لمجلس الأمن إحالة حالة إلى المحكمة وذلك استنادًا إلى الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، وقد أيد ذلك عدة نصوص قي ذات الميثاق، والتي تلزم أعضاء المجتمع الدولي والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، باحترام قواعد القانون الدولي.
ولكي يستطيع القضاء الوطني محاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، يجب تطبيق مبدأ العالمية، فالقاضي الوطني لن يمارس اختصاصه القضائي على الجريمة الدولية دون توفر الضوابط الأساسية للاختصاص حال كون دولته طرفا بالاتفاقية الدولية، التي لا تكون ملزمة دون الإجراءات التي تتبعها كل دولة،فيجب على الدولة تجريم تلك الانتهاكات الجسيمة من خلال قوانينها الداخلية، مع تحديد العقوبة المناسبة لكل جريمة احترامًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، نظرًا لما تقوم به القواعد الدولية من ردع لهذه الانتهاكات، وحتى تتناسب مع العقوبات المنصوص عليها في القوانين الجنائية الوطنية.
ولقد منح الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن من الحق في تحريك الدعوى لمواجهة دولة ليست طرف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في حالة رفض أي دولة لاختصاص المحكمة وتقوم بانتهاك حقوق السكان المدنيين وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية من قبل أحد رعاياها أو على إقليمها، وبذلك لن تباشر المحكمة أي إجراء قانوني في مواجهتها ضدها،الا عن طريق قيام مجلس الأمن بدوره بتحريك الدعوى الجنائية ضد هذه للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
عدد المشاهدات: 0

