كتب : محسن علي باحث وناقد سوري
مسلم رحال: الناي الذي تحدى النمطية
يعدّ مسلم رحّال واحدًا من أبرز الأسماء الموسيقيّة في المشهد العربي المعاصر، بوصفه عازفًا متمكّنًا وفنّانًا
أكاديميًّا أعاد طرح سؤال جوهري حول إمكانات آلة الناي ودورها في السياق الموسيقي الحديث. ففي ثقافة
عربيّة ظلّت فيها الناي محصورة في أطر تقليديّة – صوفيّة أو شعبيّة أو مرافقة – قدّم رحّال نموذجًا مختلفًا، جعل من
الناي آلةً قادرة على الحوار مع الأوركسترا السيمفونيّة، وعلى الارتجال داخل قاعات الحفلات الكبرى في أوروبا
، وعلى تشكيل خطاب موسيقي خاصّ بها، يستند إلى تراث ممتدّ مع انفتاحه على أنماط موسيقيّة متعدّدة. هذا
المقال يسعى إلى تقديم قراءة تحليليّة لمسار رحّال الفنّي والأكاديمي.
ينتمي مسلم رحّال إلى بيئة فنّيّة بامتياز. ولد في ناحية الفاخورة بمحافظة اللاذقية السوريّة، لأسرة كان فيها
الشعر والغناء حضورًا يوميًّا؛ فوالده الشاعر الزجلي ثابت رحّال، وإخوته عازفون ومغنّون على مختلف الآلات. هذا
المناخ وفّر له احتكاكًا مبكّرًا بالموسيقى، غير أنّ تحوّله من موهبة فرديّة إلى مشروع أكاديمي تحقّق عبر التحاقه
بالمعهد العالي للموسيقى في دمشق، وتخرّجه عام 2003 متخصّصًا في آلة الناي.
ثمّة سمة فارقة في تكوين رحّال، وهي ازدواجيّة تعلّمه: تعلّم العزف على الناي وصناعتها معًا. هذا التخصّص
المزدوج منحه فهمًا فيزيائيًّا ومعرفيًّا للآلة، إذ أتقن خصائص القصب، وأساليب تشكيل المجرى الصوتي،
وعلاقة الثقوب بالطبقات الصوتيّة. التداخل بين العزف والصناعة مثّل أساسًا لمنهجيّة عزفيّة تقوم على التحكّم
في النغمة والجرس، والقدرة على تعديل الصوت وفق متطلّبات كلّ مقطوعة. على المستوى الأكاديمي، عمل
رحّال أستاذًا للناي في المعهد العالي للموسيقى بدمشق وفي كلية الموسيقى بجامعة حمص، وله مؤلّفات
منشورة، من أبرزها فصل مخصّص للناي في المعجم الموسيقي الذي أشرف عليه البروفيسور فيكتور بابينكو، ومخطوطة بعنوان “الناي بين الصناعة والعزف”.

تنوّعت الأدوار التي اطّلع بها رحّال في المشهد الموسيقي السوري والعربي. شغل منصب العازف المنفرد في
الأوركسترا السيمفونيّة الوطنيّة السوريّة، وعضوًا في المجموعة الوطنيّة للموسيقى العربيّة. أسّس وقاد فرقة
“شمّس” التي تركّز على الموسيقى العالميّة، وفرقة “نوى” التي قدّمت عروضها في دمشق. في السياق
العربي، شارك في مهرجان جرش الدولي كعازف منفرد في اللقاء الدولي للناي، وفي افتتاح دار الأوبرا في دمشق،
ممّا رسّخ حضوره في المهرجانات العربيّة الكبرى.
على الصعيد الدولي، وسّع رحّال نطاق نشاطه ليشمل التعاون مع فرق ألمانيّة وأسبانيّة. وقد جمعته شراكة
فنّيّة وثيقة مع المغنيّة والباحثة وعد بوحسون، أفضت إلى ألبوم مشترك بعنوان “La Voix de la Passion”، وإقامة
سلسلة حفلات حملت عنوان “سوريا التي أحب” في دار أوبرا ليون وبيت الثقافات العالميّة في باريس عام 2016.
كما شارك في حفلات مع أوركسترا قطر الفلهارمونيّة بقيادة لورين مازل، وفي مشروع Orpheus XXI بقيادة
جوردي سافال، الذي يهدف إلى دعم الموسيقيين اللاجئين. هذا التنوّع في الحضور، عربيًّا وعالميًّا، يعكس
قدرة رحّال على التحرّك في سياقات موسيقيّة وثقافيّة متعدّدة مع الحفاظ على خصوصيّته.
ثمّة ثلاث سمات رئيسة لأسلوب رحّال الفنّي. الأولى: الارتجال بوصفه ممارسة منهجيّة وليست عرضًا. جملُه
الموسيقيّة تتشكّل في لحظة العزف، دون اللجوء إلى قوالب جاهزة، وهو نهج يحرّر التقاسيم الشرقيّة من
طابعها الزخرفي باتّجاه تعبيريّة أكثر حرّيّة. الثانية: التهجين والتجاوز النوعي. سعى رحّال إلى دمج الناي مع الروك
والجاز والموسيقى المعاصرة، وكتب كونشيرتو للناي مع الأوركسترا الفلهارمونيّة، أضاف فيه سلالم موسيقيّة غير
موجودة في التقليد الغربي. الثالثة: تحدي التصوّرات النمطيّة التي تحصر الناي في أدوار تزيينيّة أو صوفيّة،
مؤكّدًا أنّها قادرة على لعب دور مركزي في التشكيلات الموسيقيّة الحديثة.
أثر هذا الأسلوب في السياق الموسيقي العربي يتجسّد في مستويين. على المستوى التقني، أثبت رحّال أنّ الناي
قادرة على أداء كونشيرتو مع أوركسترا سيمفونيّة، وأنّها ليست آلة طقوسيّة أو شعبيّة محصورة في أدوار ثانويّة.
وهو بذلك يشارك في حركة أوسع لإعادة تأهيل الآلات التقليديّة، حركة بدأت مع روّاد مثل الرحبانيين ومحمد عبد
الوهاب. على المستوى الثقافي، قدّم رحّال من خلال تعاوناته العربيّة والعالميّة نموذجًا للفنّان القادر على نقل
تراثه إلى فضاءات جديدة، مع بقائه متّصلاً بجذوره.
يمثّل مسلم رحّال نموذجًا للفنّان الأكاديمي الذي يسعى إلى توسيع حدود آلة تقليديّة، ونقلها من سياقها المحلي
إلى فضاءات عربيّة وعالميّة. تجمع تجربته بين الإتقان التقني، والجرأة على التهجين، والالتزام برسالة ثقافيّة. غير
أنّ هذه التجربة تطرح أسئلة حول التوتر بين الأصالة والتحديث، وبين الهويّة والعولمة. وفي النهاية، يظلّ
السؤال الذي يطرحه رحّال بعزفه وتدريسه ومؤلّفاته مفتوحًا: كيف يمكن لآلة عمرها آلاف السنين أن تتحدّث
بلغة اليوم، وتخاطب جمهورًا عربيًّا وعالميًّا؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست في كلمات المقال، وإنّما في نغمات
الناي التي لا تزال تُعزف في شتّى أصقاع العالم.

