كتب : حسيبة صالح ـ سوريا
النسوية بلا حدود: تأملات عالمية في السلطة والأيدلجة وفاعلية النساء
تفتح تاء مبسوطة فضاءً فكريًا جديدًا للحوار حول النسوية المعاصرة، في جلسة حوارية قادتها الإعلامية ديانا جبور، التي تمتلك خبرة طويلة في إدارة النقاشات الثقافية وتقديم قراءات نقدية هادئة تُتيح للمتحدثين والجمهور مساحة للتفكير والتفاعل.
استضافت الجلسة الرائدة النسوية نوال يازجي، ، وهي كاتبة وباحثة وناشطة سورية تمتد مسيرتها لأكثر من خمسة عقود في العمل النسوي والسياسي والمجتمعي. بدأت نشاطها منذ سبعينات القرن الماضي عبر الحركة الطلابية والسياسية، وأسهمت في تأسيس مبادرات تُعنى بقضايا المرأة والمواطنة، وشغلت مواقع قيادية في الحركة النسوية السورية، وكانت من الأصوات البارزة في الدفاع عن حق المرأة السورية في منح جنسيتها لأبنائها. كما شاركت في المجلس الاستشاري النسائي للمبعوث الأممي إلى سوريا، وقدّمت عبر سنواتها دراسات ومقالات شكلت مرجعًا في قضايا الجندر والمساواة.
أما تاء مبسوطة فهي مبادرة ثقافية مستقلة تُعنى بخلق مساحات آمنة للنقاش، وتقديم فعاليات تُعيد التفكير في قضايا المرأة بعيدًا عن الخطابات التقليدية، عبر صالون ثقافي بات يشكّل نقطة التقاء للمهتمين بالشأن العام.
بدأت يازجي حديثها بتعريف النسوية بوصفها مسارًا للتحرّر الفكري، مؤكدة أن الأبويّة لا تتراجع بل تتخذ أشكالًا أكثر عمقًا، ما يجعل الحاجة إلى الوعي والمراجعة ضرورة لا ترفًا. ودعت إلى مصالحة بين النسويات بدل الانقسام، وإلى التفاوض مع القائمين على القرار باعتباره خطوة واقعية نحو التغيير.
وتوقفت عند فكرة محورية: أن السوريين – نساءً ورجالًا – بحاجة إلى أن يتعرّفوا على بعضهم من جديد، وأن الأيدلجة هي “مقتل أي حركة تحرّر”، لأن الفكر لا ينهض إلا حين يتحرّر من القوالب الجاهزة.
قدّمت الدكتورة رشا سيروب مداخلة نقدية حول سؤال جوهري:
هل قامت الحركات النسوية بمراجعة أسباب عدم نجاحها في تحقيق أهدافها؟
سؤالٌ فتح بابًا للتشكيك بآليات العمل النسوي، وبمدى قدرة الحركة على قراءة الواقع بدل الاكتفاء بتكرار خطابها.
أما الأستاذ غسان شما فقد طرح رؤية عميقة حول الأبويّة، معتبرًا أنها لا تجعل الرجل خصمًا للمرأة فحسب، بل تجعل المرأة عدوًا لنفسها حين تعيد إنتاج القيم السلطوية داخل بيتها، وتزرعها في أبنائها دون وعي، لتصبح جزءًا من منظومة الإقصاء التي تحاول النسوية نفسها تفكيكها.
وتوقفت الجلسة عند سؤال حساس:
هل كل امرأة تدافع عن حقوق المرأة تُعدّ نسوية؟
سؤالٌ أعاد تعريف النسوية بوصفها وعيًا وموقفًا، لا مجرد دفاع عابر.
الجمهور تفاعل بعمق، ومالت الأسئلة إلى البحث عن إمكانيات التغيير الواقعي، وعن كيفية تجاوز الانقسامات داخل الحركة النسوية، وعن الحاجة إلى خطاب جديد يخرج من دائرة الاتهام إلى مساحة الفعل.
في ختام الأمسية، بدا أن تاء مبسوطة لم تقدّم مجرد جلسة نقاش، بل أعادت فتح سؤال عالمي:
كيف يمكن للحركات النسوية أن تتجاوز الأيدلجة، وتعيد بناء خطابٍ يحرّر الفكر بدل أن يقيّده؟
خرج الحضور بشعور أن النسوية ليست صراعًا مع الآخر، بل رحلة معرفة تبدأ من الداخل، وأن التحرّر الحقيقي هو القدرة على رؤية الذات بوضوح قبل مطالبة العالم بأن يتغيّر.

