كتب : بقلم : د. سهير بنت سند المهندي
حين تبتكر عُمان طريقًا للسلام البحري
جاء الإعلان العُماني عن إنشاء ممر بحري مؤقت للسفن ليقدم رسالة مختلفة مفادها أن الدبلوماسية لا تقتصر على طاولات التفاوض، بل يمكن أن تتحول إلى ممرات آمنة تحفظ حركة التجارة العالمية، وتمنع الاقتصاد الدولي من الانجراف نحو أزمة جديدة.
في تقديري، لم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء ملاحي مؤقت فرضته الظروف، بل كان قرارًا استراتيجيًا يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة، فحين تتمكن دولة من إيجاد حلول عملية في لحظة اضطراب، فإنها لا تؤمن مصالحها الوطنية فحسب، بل تساهم في حماية الاقتصاد العالمي بأسره.
تكمن أهمية هذه المبادرة في أنها جاءت في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، فمضيق هرمز ليس ممرًا بحريًا عاديًا، بل شريان اقتصادي تمر عبره قرابة 20% من تجارة النفط العالمية، وما يزيد على 20 مليون برميل من النفط يوميًا، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال والبضائع. ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة لا ينعكس على دول الخليج وحدها، وإنما يمتد أثره إلى الأسواق العالمية، وأسعار الطاقة، وكلفة التأمين البحري، وسلاسل الإمداد الدولية.
ومن هنا، فإن الإعلان العُماني أعاد تعريف مفهوم الأمن البحري، فلم يعد الأمن يعني فقط حماية السفن من المخاطر، بل أصبح يعني أيضًا حماية استقرار الأسواق، وضمان استمرار حركة التجارة، والحفاظ على ثقة المستثمرين، فكل سفينة تعبر بأمان تعني مصنعًا لن يتوقف، وميناءً سيواصل نشاطه، وأسرة في مكان ما من العالم لن تتأثر بارتفاع أسعار السلع والطاقة.
واللافت أن هذه المبادرة جاءت منسجمة مع النهج العُماني المعروف بتقديم الحلول الهادئة بعيدًا عن الضجيج السياسي، فمنذ عقود، رسخت سلطنة عُمان مكانتها وسيطًا موثوقًا في العديد من الملفات الإقليمية، وها هي اليوم تضيف بعدًا جديدًا لهذا الدور، يتمثل في تحويل الوساطة السياسية إلى مبادرة عملية تخدم المجتمع الدولي بأسره.
إن الرسالة الأعمق لهذا الإعلان تتمثل في أن الممرات البحرية ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل هي شرايين للحياة الاقتصادية العالمية، وإذا كانت الحروب قادرة على إغلاقها في ساعات، فإن الحكمة السياسية قادرة على إعادة فتحها قبل أن تدفع الأسواق والشعوب ثمن الصراعات.
ولعل الأشهر المقبلة ستثبت أن هذه المبادرة ليست إجراءً عابرًا، بل نموذجًا جديدًا لإدارة الأزمات، يقوم على سرعة الاستجابة، والشراكة الدولية، وتقديم الحلول بدل الاكتفاء بتوصيف المشكلات.
” المضائق البحرية لا تُقاس باتساع مياهها، بل بحجم الاستقرار الذي تعبره إلى العالم”، وربما تختصر هذه العبارة جوهر المبادرة العُمانية؛ فهي لم تفتح ممرًا للسفن فحسب، بل فتحت نافذة أمل تؤكد أن العقل السياسي، حين يقترن بالإرادة، يستطيع أن يحمي الاقتصاد العالمي، ويمنح المنطقة فرصة جديدة لعبور أكثر أمنًا واستقرارًا.
اعلامية وباحثة اكاديمية

