كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
انطلقت فعاليات المؤتمر السنوي الثاني الدولي لرابطة الأطباء النفسيين السوريين، بالتعاون مع جامعة دمشق، تحت عنوان: “شفاء الإنسان أساس إعمار الأوطان”. مؤتمرٌ لم يكن مجرد حدث علمي، بل مسارٌ معرفي ومنهجي يسعى إلى بناء استجابة وطنية مستدامة لأزمة الصحة النفسية، خاصة في سياق التعامل مع الناجين من تجارب العنف الممنهج وذويهم.
من تشخيص الجرح إلى هندسةالشفاء
ستمتد جلسات المؤتمر على مدار يومين، لتأخذ المشاركين في رحلة فكرية متكاملة تبدأ من تشخيص عمق الجرح الوطني، مروراً بـهندسة أدوات العلاج والشفاء، وصولاً إلى بناء منظومات مجتمعية وقانونية تضمن استمرارية التعافي، في إطار ما سُمّي بـ”العدالة الشافية”.

تنوّعت محاور المؤتمر بين:
• الصدمة المعقدة وتجلياتها النفسية والجسدية.
• البروتوكولات العلاجية الحديثة مثل NET وCBT.
• الصحة النفسية المجتمعية وإعادة دمج الناجين.
• العدالة الانتقالية كمسار علاجي.
• بناء منظومة مستدامة للصحة النفسية في سوريا.
كلمات افتتاحية تضع خارطة الطريق
افتُتحت الجلسات بكلمة د. مازن محسن الخليل، رئيس المؤتمر، الذي عرض رؤية الرابطة في بناء استراتيجية وطنية متكاملة للتعافي، مؤكداً على الدور المحوري للطبيب النفسي كقائد إكلينيكي ومجتمعي .
ومهمتنا في المؤتمر تتجاوز التشخيص السريريّ انها مهمة أخلاقية وحقوقية تهدف لتحقيق العدالة الشافية وكيف يمكن للطب النفسي أن يكون رديفا للعدالة الانتقالية وكيف يمكن لجبر الضرر النفسي أن يكون أهم أشكال التعويض إننا نؤمن بأن الصحة لا تحتاج فقط إلى دواء يهدىء القلق بل تحتاج إلى مجتمع يعترف بألمها وإلى قانون يحمي كرامتها وإلى بيئة عمل تحتضن طاقاتها
تبعته محاضرة أ.د. يوسف لطيفة، رئيس اللجنة العلمية، الذي ناقش الإطار الأخلاقي والقانوني لعمل الأطباء النفسيين في سياق العدالة الانتقالية.
جلسات علمية تلامس الواقع السوري
في الجلسة الأولى، تناول د. أديب عسالي العواقب النفسية للعنف والحرب وتأثيرها على صحة الشعب العقلية مشيراً إلى أن العنف هو تهديد للسلامة يترافق برض نفسي وتهجير وفقد مادي ومعنوي وأكد العسالي على حاجة الشعب لرعاية صحية نفسية أثناء وعقب الصراع ، بينما ناقش د. عمار قهوجي انتقال الصدمة عبر الأجيال، مشيراً إلى تأثير السترس على الدارات العصبية والذاكرة. أما د. سامر محسن، فقدم نموذجاً إكلينيكياً عن اضطرابات السمع كعلامة جسدية للصدمة،مؤكداً أنه لا غنى عن الفريق متعدد الاختصاصات في تدبير الاضطرابات الجسدية والنفسية لدى المحررين من السجون والمعتقلات ليتم فعلاً شفاء الأوطان بشفاء الإنسان ومن يسمع من جديد يستطيع أن يحلم من جديد .
فيما دعا د. بسام عويل إلى إطلاق برنامج وطني للصحة النفسية الجنسية للمحررين والمحررات.
مؤكدا أن الشفاء الحقيقي يحتاج إلى تدخل علاجي نفسي جنسي مهني ،دعم اجتماعي ،وإعادة بناء الثقة بالنفس بدون هذه العناصر قد تتحول الندبات إلى معاناة مزمنة تعيق حياة الضحايا الشخصية والاجتماعية .
الجلسة الثانية ركزت على هندسة الشفاء، حيث استعرض د. وليد سرحان دراسة حالة لناجين من سجن صيدنايا، وناقش د. يسار قنواتي العلاج النفسي للأطفال المتأثرين بالحروب. كما قدمت د. رهام الدروبي ود. مروان الأحمد عرضاً لتقنية التعرض السردي، بينما ناقش د. عامر الحاج أحدث الأبحاث الدوائية لعلاج PTSD، واختتمت د. كارولين المحسن الجلسة بنموذج علاجي متعدد الأبعاد يأخذ في الاعتبار البعد الثقافي والاجتماعي.
يرافق المؤتمر معرض لمنتجات دوائية خاصة بالعلاجات النفسية لـ 8 شركات دوائية. والرابطة السورية للأطباء النفسيين هي منظمة غير حكومية، تهدف إلى تطوير وتعزيز مجال الطب النفسي في سوريا، ورفع المستوى المهني للأطباء النفسيين فيها، وتعنى بإجراء الدراسات الطبية، وعقد المؤتمرات والندوات لتبادل الخبرات، وتدريب المتخصصين.
نحو شراكة وطنية في الشفاء
المؤتمر لم يكن مجرد منصة علمية، بل دعوة صريحة لبناء شراكة وطنية في الشفاء، تجمع بين الطب، القانون، المجتمع، والضمير الإنساني. إنه خطوة جريئة نحو تحويل الألم إلى معرفة، والمعرفة إلى علاج، والعلاج إلى أمل.


