كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
شهدت تونس في الأيام الماضية أمطارًا غزيرة وسيولًا قوية أحدثت فيضانات واسعة في مناطق شمال وشرق البلاد، ما تسبب في خسائر في الأرواح والبنية التحتية، لكنه في الوقت نفسه كشف عن مواقع أثرية تاريخية مدفونة على ساحل ولاية نابل شرقي البلاد.
فيضانات غير مسبوقة وتداعيات إنسانية
أدى منخفض جوي قوي مصحوب بأمطار غزيرة في عدة ولايات تونسية إلى فيضانات واسعة تسببت في مصرع عدة أشخاص وإجلاء مئات السكان من منازلهم، إلى جانب شل حركة الحياة اليومية في بعض المناطق. وقد وصفت السلطات كميات الأمطار بأنها قياسية وغير مسبوقة منذ عقود، مع تسجيل مستويات عالية للهطولات المطرية فوق حدود 300–400 مليمتر في بعض المناطق، في حين استمرت عمليات الإجلاء والبحث عن المفقودين خلال الأيام الماضية.
اكتشاف آثار نيابوليس
في خضم هذه الظروف المناخية الاستثنائية، كشفت الأمواج القوية والأمطار الغزيرة عن جزء من الآثار القديمة لمدينة نيابوليس التاريخية على شاطئ ولاية نابل. وقد ظهرت صخور قديمة كبيرة في شكل دعامات وبقايا أسوار ومغاور وكهوف كانت مطمورة تحت الرمال أو المياه في الموقع على امتداد السواحل.
آراء الخبراء وتاريخ الموقع
أوضح مدير قسم علم الآثار بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان أن ما أظهرته الأمواج يعتبر عملية تعرية طبيعية غير اعتيادية، إذ كشفت الواجهة البحرية لمعلم أثري قديم لم يكن ظاهرًا بوضوح قبل وقوع الفيضانات. وتشير التحليلات الأولية إلى أن هذه الآثار قد تعود إلى عصر لوبي قديم سبق حضارات قرطاج والرومان في المنطقة، ما يجعلها دليلًا مهمًا على تاريخ حضارات تونس القديمة وتطور استيطان الساحل الشرقي للبلاد منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.
مدينة نيابوليس نفسها تُعد من أقدم المدن التاريخية في تونس، حيث يشير المؤرخون إلى أن تأسيسها يعود إلى حوالي 2500 سنة قبل الميلاد، لكنها كانت معروفة بشكل ضئيل نسبيًا بسبب قلة الدراسات والمعلومات المتاحة عنها مقارنة بغيرها من المواقع التاريخية الكبرى في البلاد. ولا يزال فريق من الخبراء والمؤرخين يعمل على إجراء دراسات ميدانية وأثرية إضافية لتوثيق الموقع وتحديد مدى أهمية الآثار المكتشفة حديثًا وتاريخها الدقيق.
أهمية الاكتشاف
يمثل هذا الكشف فرصة جديدة للبحث العلمي في تاريخ الحضارات الأولى على السواحل التونسية، إذ يوفر معلومات إضافية عن الأنشطة البشرية القديمة، وأساليب البناء والتحصين البحري التي استخدمتها المجتمعات القديمة. كما يفتح الباب أمام عمليات تنقيب مستقبلية قد تكشف المزيد من البنى التاريخية المدفونة تحت الرمال أو تحت مستوى سطح البحر.
تحديات آثار المناخ والتعرية
يحذر الخبراء من أن العوامل المناخية القوية والتعرية المستمرة قد تعرض هذه الآثار وأخرى في مواقع ساحلية تونسية للخطر، ما يستدعي التدخل السريع من فرق آثار متخصصة لتقييم المواقع المكتشفة وحمايتها من الانجراف أو التلف بفعل الأمواج والفيضانات المستقبلية.


