كتب : حسيبة صالح /سوريا
عيد الموسيقى في دمشق… حين تستعيد مدينةٌ عريقة نبضها أمام العالم
في قلب الشرق، وفي مدينةٍ اعتادت أن تُدهش العالم كلما عادت إلى الضوء، احتفلت دمشق هذا العام بـ عيد الموسيقى في نسخةٍ حملت طابعًا دوليًا واضحًا، بعد سنوات من الغياب.
فعاليةٌ أقيمت برعاية وزارة الثقافة والسفارة الفرنسية في سوريا، وبتنظيم جمعية النهضة الفنية، التي تعمل منذ سنوات على بناء جسور بين المواهب السورية الشابة والمشهد الموسيقي العالمي، عبر شراكات ثقافية تُعيد للفن دوره الطبيعي في الحياة العامة.
موسيقى تعبر المدينة… وترسم خريطتها من جديد
انطلقت الاحتفالات من حديقة دار الأوبرا عند الخامسة مساءً، حيث قدّمت جوقة المدرسة الفرنسية بقيادة حنين الحلبي عرضًا أعاد إلى الذاكرة صورة دمشق كمدينة تتقاطع فيها اللغات والثقافات.
تلا ذلك أداء أوركسترا ديكسي لاند بقيادة دلامة شهاب، في أجواء بدت كأنها استعادةٌ لنبضٍ كان ينتظر لحظة العودة.
وعند السابعة، انتقل الجمهور إلى فندق التلسمان، حيث قدّمت فرق بانيك باند، شال، وفيّ عروضًا حملت روح الشباب، وجرأة التجريب، ودفء اللقاء بين موسيقيين يبحثون عن لغة مشتركة تتجاوز الحدود.
🏛️ قصر العظم… ختامٌ يليق بمدينةٍ تحمل ذاكرة العالم
في قصر العظم، المكان الذي يختزن في حجاراته تاريخ دمشق وروحها، بدا المشهد كأنه لقاء بين التراث والموسيقى.
قدّم تريو “عبق” على العود والبزق والقانون مقطوعات حملت نَفَس الشرق، تلاها حفل شرقي مع ليندا بيطار وفرقتها بقيادة عدنان فتح الله، حيث بدا الصوت امتدادًا للمكان، والمكان امتدادًا للذاكرة.
لم يكن القصر مجرد خلفية، بل جزءًا من العرض؛ يكمّل الأغاني ويمنحها عمقًا بصريًا وروحيًا يعيد التذكير بأهمية هذا الصرح في الثقافة السورية وفي الذاكرة الإنسانية.
افتُتِح الجزء الختامي بكلمةٍ للقائم بالأعمال في السفارة الفرنسية، ألقاها بالعربية، مؤكدًا أن الموسيقى قادرة على بناء جسور بين الشعوب، وأن دمشق ما تزال مدينة تنصت… ومدينة يُنصت إليها.
حين صعدت ليندا بيطار إلى منصة قصر العظم، تغيّر الهواء.
لم تكن مجرد فقرة غنائية، بل لحظة شعر فيها الجمهور أن دمشق تستعيد صوتها الحقيقي.
ليندا هي حالة وجدانية يعرفها السوريون جيداً صوت يدخل بلا استئذان ويوقظ في الناس ذاكرة جميلة .
قدّمت مجموعة من الأغاني التي شكّلت ذاكرة جيل كامل:
موعود – أنا بانتظارك – ناتالي – من الشباك لرميلك حالي – طل بياع الورد.
ومع كل أغنية، كان الجمهور يقترب أكثر، يردّد، يبتسم، ثم يترك هاتفه جانبًا ليعيش اللحظة كما هي.
محبة الناس ليندا ليست عابرة هي محبة مبنية على الصدق على صوت يشبههم وعلى حضور يعرف كيف يلمس القلب من دون مبالغة
عدنان فتح الله، بقيادته الهادئة، منح الأغاني عمقًا موسيقيًا جعلها تتنفس داخل المكان، في مشهد بدا كلوحة تجمع الصوت والضوء والحجر والذاكرة.
شهادات دولية ومحلية… تؤكد أهمية اللحظة
في مقابلة خاصة، عبّر القائم بالأعمال للاتحاد الأوروبي لدى سوريا، ميخائيل أونماخت، عن سعادته بحضور الفعالية، معتبرًا أن عودة النشاطات الثقافية في دمشق مؤشر على انفتاحٍ جديد، وأن الموسيقى قادرة على خلق مساحات مشتركة تتجاوز السياسة والحدود.
كما تحدّث الفنان جهاد عبدو، مدير المؤسسة العامة للسينما، عن أهمية هذه الأمسيات، مؤكدًا أن دمشق تحتاج اليوم إلى جرعات صادقة من الفرح، وأن الفن أحد أكثر الطرق قدرة على شفاء الذاكرة وإعادة الروح إلى المجتمع.
وعدٌ جديد بين دمشق وأهلها
في نهاية الليلة، بدا عيد الموسيقى كأنه وعدٌ جديد بين المدينة وأبنائها:
وعد بأن الفن سيبقى، وأن المدن التي تغني لا تنطفئ، مهما أثقلتها السنوات.
كانت الأمسية قصيرة… لكنها تشبه نبضة قلب.
نبضة تكفي لتذكّر العالم بأن دمشق، رغم كل شيء، ما تزال قادرة على أن تعود إلى الضوء.

عدد المشاهدات: 0



