كتب : منتصر صباح الحسناوي
امسية رمضانية جمعتني يوم امس مع اصدقاء على ضفاف دجلة، جلسة هادئة نستمع ونرى فيها بين حينٍ وآخر الصواريخ أو المسيرات وهي تعبر في السماء البعيدة واحياناً القريبة.
المثير أن الحياة من حولنا كانت تسير بإيقاعها المعتاد، الناس في المقاهي، السيارات في الشوارع والأحاديث اليومية لا تحمل ملامح خوفٍ ظاهر.
بدا الأمر وكأن المجتمع اعتاد على سماع أخبار الحروب وأصواتها من دون أن تتوقف تفاصيل الحياة.
في تلك الجلسة بدأ النقاش يتحول الى جدل حول ما يجري في المنطقة، وانا على يقين ان الأمر لم يكن محصوراً بتلك الطاولة الصغيرة.
فالموضوع نفسه يتردد في الشارع العراقي وفي وسائل التواصل وفي برامج الحوار التلفزيونية، بل حتى في الدوائر السياسية المغلقة والمعلنة. جدليةٌ لا تكاد تهدأ: كيف ينبغي للعراق أن يتعامل مع صراعٍ إقليمي تتسع دائرته يوماً بعد آخر؟
بعض الآراء كانت ترى المشهد من زاوية الانتماء السياسي أو الأخلاقي أو العقائدي ، فترى أن الصراع يحمل بعداً يتجاوز حدود الدول.
في المقابل ظهرت آراء أخرى تتحدث بقلقٍ عن بلدٍ لا يزال في طور التعافي بعد سنوات طويلة من الحروب والاضطرابات وترى أن العراق يحتاج قبل كل شيء إلى حماية استقراره الداخلي فضلاً عن تنوع مجتمعه.
هذا التباين في الآراء هو أمرٌ صحي بطبيعة الحال، لكن ما يلفت الانتباه في هذه الجدلية أنها سرعان ما تتحول أحياناً إلى اصطفافات حادة.
يتحول النقاش من محاولة فهم الواقع إلى معسكراتٍ متقابلة، ويعلو الصوت العاطفي على حساب التفكير الهادئ.
وفي مثل هذه اللحظات يفقد النقاش العام قدرته على إنتاج رؤية متوازنة تساعد المجتمع على التعامل مع الأزمات.
العراق اليوم يقف في مرحلة دقيقة من تاريخه، هناك جهود لإعادة بناء الاقتصاد، ومساعٍ لتعزيز مؤسسات الدولة، وتطلع واسع إلى مرحلة أكثر استقراراً بعد عقود من الاضطراب. هذه المعطيات تجعل أي حديث عن الانخراط في صراعات إقليمية مسألة تحتاج إلى قدرٍ كبير من الحكمة والتفكير المتأني.
في مثل هذه الظروف يظهر دور الخطاب المعتدل الذي يمكن أن تقدمه النخب الفكرية والإعلامية. فالمجتمع لا يحتاج في لحظات التوتر إلى مزيدٍ من الاستفزاز بقدر حاجته خطابٍ يشرح التعقيدات ويعيد توجيه النقاش نحو المصالح المشتركة. خطاب يذكّر الناس بأن اختلاف الرؤى أمر طبيعي وأن الحفاظ على تماسك المجتمع يبقى قيمةً أساسية في مواجهة الأزمات.
وفي اي مراجعة لتجارب مشابهه تُظهر أن الدول التي تنجح في عبور الأزمات هي تلك التي تحافظ على توازن خطابها الداخلي، فلا تسمح للخلافات بأن تتحول إلى انقساماتٍ تمس استقرارها. فالقوة الحقيقية لأي دولة تُقاس بقدرتها على ادارة مواقفها في الصراعات الكبرى بعقلانية.
وهناك يجب ان يفهم كمنهج عام وحقيقة أخلاقية وقانونية ينبغي التذكير بها في مثل هذه اللحظات: إن خطاب الدولة هو الإطار الذي ينبغي أن يُعتمد في إدارة المواقف الكبرى. فالدولة هي الجهة المسؤولة قانونياً وسياسياً عن قراراتها، وهي التي تتحمل نتائجها أمام مجتمعها وأمام العالم.
لهذا فإن احترام خطاب الدولة لا يعني إلغاء النقاش داخل المجتمع، لكنه يضع لهذا النقاش حدوداً تحفظ وحدة الموقف العام.
فالدولة في النهاية هي صاحبة القرار الرسمي وهي الجهة التي تتحمل تبعات أي خيار داخلي أو خارجي.
وفي لحظةٍ إقليمية مضطربة كالتي نعيشها اليوم، قد يكون أكثر ما يحتاجه العراق هو خطابٌ يوازن بين حرية النقاش داخل المجتمع وبين احترام الإطار الذي تمثله الدولة، حتى يبقى الخلاف في حدود الرأي ولا يتحول إلى مسارٍ يهدد استقرار البلد الذي يسعى الجميع إلى حمايته.


