كتب : دينا كمال
الأسواق أمام ضبابية الحرب.. تقلبات حادة وسيناريوهات مفتوحة
تكشف التحركات المتباينة في الأسواق العالمية عن حالة ارتباك واسعة بين المستثمرين، مع صعوبة تقدير ما إذا كان الصراع في الشرق الأوسط يمثل تطوراً محدود التأثير أم بداية حرب ممتدة تحمل تداعيات عميقة على التجارة العالمية ومعدلات التضخم.
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال استمرار الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران لأسابيع، لتضيف مزيداً من الضبابية إلى المشهد الاستثماري.
تحركات متناقضة في الأصول
سجلت سوق النفط أبرز ردود الفعل، إذ قفزت الأسعار بقوة قبل أن تتراجع سريعاً، في إشارة إلى غياب رؤية واضحة لمسار الإمدادات. كما ارتفعت عملة بيتكوين، بينما تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين أظهرت المؤشرات الأميركية أداءً أكثر تماسكاً. وفي المقابل، صعدت عائدات السندات الحكومية عالمياً.
ورجّح كبير الاقتصاديين في كومرتس بنك يورج كرامر أن الأسواق تسعّر حالياً سيناريو حرب قصيرة الأمد تمتد لأسابيع، وهو الاحتمال الذي يراه الأقرب في المرحلة الراهنة.
بدورهم، توقع محللو جي بي مورغان تراجعاً مؤقتاً في الأصول عالية المخاطر لمدة أسبوع إلى أسبوعين، معتبرين أن أي انخفاضات قد تخلق فرص شراء عند المستويات المتدنية.
النفط في قلب المعادلة
تزايدت المخاطر بعد تبادل الضربات في الخليج وتعليق بعض شركات الطيران رحلاتها، إضافة إلى اضطراب حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، ما يضع أسواق الطاقة في دائرة القلق.
ويبقى مستقبل أسعار النفط رهناً بتطورات الداخل الإيراني وردود فعل الدول المنتجة، فضلاً عن تأثير أي اضطراب في الإمدادات على التضخم العالمي واستقرار أسواق السندات.
وارتفع خام برنت بنحو 6% إلى 77 دولاراً للبرميل، محققاً مكاسب تقارب 30% منذ بداية العام، لكنه لا يزال دون مستوى 100 دولار الذي يتوقع بعض المحللين تجاوزه في حال استمرار الصراع لفترة طويلة.
وأشار محللو شركة “تي إس لومبارد” إلى أن المخاوف تتمثل في احتمال تكرار سيناريو 2022، عندما تراجعت الأسهم والسندات معاً بفعل صدمة الطاقة، غير أنهم يرجحون حالياً أن تكون التطورات الراهنة أقرب إلى اضطراب مؤقت لا يرقى إلى أزمة نفطية شاملة.
سوق السندات تعيد تسعير المخاطر
عكست أسواق السندات توجهاً مختلفاً، إذ ارتفعت العائدات مع تقليص توقعات خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي، في ضوء احتمالات ارتفاع التضخم نتيجة صعود أسعار الطاقة.
وسجلت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين أكبر مكاسب يومية في أربعة أشهر، بينما اتجهت عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات لتحقيق أكبر قفزة منذ ديسمبر الماضي.
وحذر محللو باركليز من أن الأسواق قد تقلل من تقدير مخاطر فشل احتواء التصعيد، مشيرين إلى أن تصاعد التوتر قد يفاقم موجات البيع، لا سيما في ظل حساسيات قائمة تتعلق بقطاع الذكاء الاصطناعي وأسواق الائتمان.
هل تتكرر تجربة 2022؟
يرى بعض الخبراء أن قدرة إيران على تعطيل تجارة الخليج قد تكون محدودة، ما قد يقلص التأثير طويل الأمد على أسعار النفط.
وقال إد يارديني، رئيس شركة “يارديني ريسيرتش”، إن أي موجة بيع في مؤشر S&P 500 قد تتحول إلى ارتفاع لاحقاً إذا هدأت التوترات وتراجعت أسعار النفط.
وأضاف أن الذهب وعوائد السندات قد يشهدان تقلبات إضافية، مع استمرار تدفق الطلب على أصول الملاذ الآمن في ظل الغموض السائد.
وفي المحصلة، تبقى الأسواق رهينة تطورات سياسية وعسكرية سريعة التغير، وسط سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين احتواء محدود للأزمة أو دخول مرحلة أطول من عدم اليقين الاقتصادي.


