كتب : دينا كمال
الرياضة قد تضاهي الأدوية في علاج الاكتئاب والقلق
أظهرت دراسة علمية واسعة نتائج مهمة بشأن علاج الاكتئاب والقلق، مشيرة إلى أن ممارسة الرياضة قد تمثل خيارًا علاجيًا فعّالًا يوازي في تأثيره الأدوية والعلاج النفسي لدى بعض الفئات.
ويعاني ملايين الأشخاص عالميًا من اضطرابات الاكتئاب والقلق. ورغم توافر علاجات مثبتة مثل مضادات الاكتئاب والعلاج النفسي (العلاج بالكلام)، فإن الوصول إليها ليس متاحًا دائمًا للجميع، بسبب ارتفاع التكلفة، والوصمة الاجتماعية، وطول فترات الانتظار، فضلًا عن الآثار الجانبية المحتملة لبعض الأدوية. وفي هذا السياق، برز تساؤل علمي حول إمكانية اعتماد النشاط البدني كبديل علاجي فعّال.
وللتحقق من ذلك، أجرى باحثون تحليلًا شاملًا شمل مراجعة 81 تحليلًا علميًا سابقًا، تضمنت بيانات نحو 80 ألف مشارك عبر أكثر من ألف تجربة بحثية. واستهدف هذا النهج تجاوز التباين في نتائج الدراسات السابقة، التي اختلفت بشأن نوع التمارين الأنسب ومدتها وشدتها والفئات الأكثر استفادة منها.
وركزت الدراسة على قياس أثر التمارين الرياضية وحدها على أعراض الاكتئاب والقلق، مع استخدام تقنيات إحصائية متقدمة لاستبعاد تأثير العوامل المصاحبة، مثل الأمراض المزمنة كداء السكري أو التهاب المفاصل.
وأشارت النتائج إلى أن ممارسة الرياضة ترتبط بانخفاض ملحوظ في أعراض الاكتئاب، وتأثير متوسط في تقليل القلق، مقارنة بعدم ممارسة أي نشاط بدني. وفي بعض الحالات، جاءت نتائج التمارين مماثلة أو متفوقة على العلاج النفسي أو الأدوية المضادة للاكتئاب.
كما أظهرت البيانات أن بعض الفئات حققت استفادة أكبر، من بينها الشباب بين 18 و30 عامًا، والنساء بعد الولادة. وتكتسب النتيجة المتعلقة بالأمهات الجدد أهمية خاصة، نظرًا للتحديات التي قد تعوق ممارستهن للرياضة، مثل ضيق الوقت وتراجع الثقة بالنفس وصعوبة الوصول إلى أنشطة مناسبة. وتشير النتائج إلى أن تسهيل النشاط البدني لهذه الفئة قد يسهم في دعم صحتهن النفسية خلال مرحلة حساسة.
نوع التمرين وآليته يحدثان فرقًا
وبيّنت الدراسة أن التمارين الهوائية، مثل المشي والجري وركوب الدراجات والسباحة، كانت الأكثر فاعلية في تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق. كما أظهرت تمارين المقاومة، مثل رفع الأثقال، وتمارين العقل والجسم، كـ”اليوغا”، تأثيرات إيجابية ملحوظة.
وسجلت التمارين الجماعية وتلك التي تُمارس تحت إشراف متخصص نتائج أفضل في علاج الاكتئاب مقارنة بالتمارين الفردية، بينما لم تتوافر معطيات كافية بشأن أثر النشاط الجماعي على القلق، ما يستدعي إجراء مزيد من الأبحاث.
ولفتت النتائج إلى أن ممارسة الرياضة مرة أو مرتين أسبوعيًا قد تكون كافية لتحقيق تحسن في أعراض الاكتئاب، دون اختلاف كبير بين التمارين عالية الشدة والمنخفضة. أما في حالات القلق، فكانت الأنشطة منخفضة الشدة المنتظمة، مثل المشي أو السباحة بوتيرة معتدلة لمدة تصل إلى ثمانية أسابيع، الأكثر فاعلية.
وأكدت الدراسة أن النشاط البدني لا يقتصر دوره على تحسين اللياقة الجسدية، بل يمثل أداة علاجية مدعومة بأدلة علمية في مواجهة الاكتئاب والقلق، خصوصًا لدى الأشخاص الذين شُخّصوا بهذه الاضطرابات.
غير أن الباحثين أشاروا إلى أن التوصية العامة بممارسة الرياضة قد لا تكفي، إذ تحقق البرامج المنظمة ذات الطابع الاجتماعي والإشراف المهني أفضل النتائج، نظرًا لدورها في تعزيز الالتزام والاستمرارية.
وبناءً على ذلك، يُنصح بتوجيه المرضى إلى برامج محددة، مثل حصص اللياقة الجماعية أو نوادي المشي والجري المُشرف عليها، بدل الاكتفاء بنصائح عامة.
وتخلص الدراسة إلى أن التمارين الرياضية، لا سيما الجماعية منها وتحت إشراف مختصين، قد تمثل خيارًا علاجيًا فعّالًا للأشخاص الذين يترددون في استخدام الأدوية أو يواجهون صعوبات في الحصول على العلاج النفسي، مع التأكيد على أهمية استشارة الطبيب أو الأخصائي النفسي لوضع خطة علاجية متكاملة.


